هيثم حسين

تلفت الهندية شيترا ديفاكاروني (كالكوتا 1956) في روايتها "أغرب حكاية في حياتك" الانتباه إلى جانب هام، وهو أن المصائب تقرب بين الناس في اللحظات الحرجة، وتبدد النقاط السوداء التي يحملها المرء معه وتؤثر في مسار حياته، وتتحكم بسلوكياته وممارساته وتواصله مع الآخرين، ناهيك عن أن الشعور بقرب النهاية يوجب التطهر من ترسبات الماضي ولعنة الحاضر التي تحاصر أصحابها بقيود وتصورات مسبقة تقودهم في دروب عداوات مجانية.

وتؤكد ديفاكاروني في روايتها -التي نشرتها دار دال السورية بترجمة راغدة خوري 2014- أن الانطباعات الأولية التي يكوّنها الشخص عن الآخر تكون عرضة للتبدل بعد التعرف إليه أو محادثته، بحيث يلوم الشخص نفسه على انطباعه السالف الذي كان مناقضا لما اكتشفه لاحقا، وهذا جزء مما يحدث تحت أنقاض القنصلية الهندية، إذ يتعرف الغرباء إلى بعضهم بعضا في ظروف قاسية، ويغرقون في خوفهم مما يتربص بهم من مخاطر كثيرة.

حصار تحت الأنقاض
العنوان الذي يوحي للقارئ أنه هو المعني بالمخاطبة يحتمل نوعا من التورية، فالقارئ يتعرف في الروايات إلى حكايات غريبة وشظايا صور لأناس من أماكن متفرقة قيدتهم هزة أرضية مفاجئة في مكان واحد، وبعد الاقتناع بضرورة البوح وجدوى الاعتراف، يتشجع الجميع للتخفف مما يثقل كواهلهم من أسرار.

الحكاية تتحول إلى وسيلة للخلاص، وكأن الشخصيات المحبوسة رغما عنها لا تجد ملاذا غير الخيال والذاكرة للوصول إلى بر الأمان، ولم يكن ذلك من باب التحايل على الذات بقدر ما كان سبيلا من سبل الاعتراف وتحقيق الأمان والراحة

وتتمحور الرواية حول بضعة أشخاص يجدون أنفسهم محاصرين في القنصلية الهندية بالولايات المتحدة، حيث يقع زلزال مفاجئ يسجنهم معا في حيز ضيق وسط الخراب، حيث البناء يتداعى رويدا رويدا، فيصاب بعضهم بكسور وجروح، ويكتشفون أشلاء أناس مجهولين لهم، وتبدأ المياه المتسربة تداهمهم، وفي تلك الحالة يحاولون التسامي على فجيعتهم والتأقلم مع وضعهم الجديد في انتظار فرج قريب.

تحكي الساردة أنه بعد أن باءت محاولات الخروج من تحت الأنقاض بالفشل، يتفتق ذهن إحداهن "إيما" عن فكرة غريبة لمواجهة الحالة العصيبة التي يعيشونها تحت الأنقاض، وهي أن يبدأ كل واحد منهم بحكاية أغرب قصة حدثت له في حياته. وكانت الفكرة تروم تبديد الوقت والخوف معا، والتكيف مع العتمة والموت المحدق بهم، بحيث إن سرد الحكايات قد يساهم في التخفيف من المعاناة ويحقق نوعا من المواساة.

وتتحول الحكاية إلى وسيلة للخلاص، وكأن الشخصيات المحبوسة رغما عنها لا تجد ملاذا غير الخيال والذاكرة للوصول إلى بر الأمان، ولم يكن ذلك من باب التحايل على الذات بقدر ما كان سبيلا من سبل الاعتراف وتحقيق الأمان والراحة والاطمئنان، ذلك أن كل شخص يشعر بالحاجة إلى البوح، ويشكل الاعتراف في تلك الساعات دربا للتصالح مع الذات والآخر، ومع الماضي والحاضر.

تدور الحكايات التي يحكيها أولئك الأشخاص حول الحب والخيانة والرغبة والتهور، وتحضر جوانب من البحث عن الجذور، أو التصالح مع الماضي انطلاقا من العبر المتحصلة والحكم التي تراكمها التجارب الحياتية. ولعل الجانب الأقسى من الحكايات يدور في فلك التقسيم الطبقي الذي ما يزال سائدا ومؤثرا في كثير من مناطق الهند، ويدفع كثير من الناس ضريبة انتمائهم إلى هذه الفئة أو تلك، لدرجة قد يفقد بعضهم حياته من أجل أمور يفترض أنها أصبحت جزءا من الماضي.

ضرورة التغيير
تقارب ديفاكاروني جوانب من الرهاب المتنامي لدى شرائح الغرب إزاء المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، وذلك من خلال شخصية الشاب المسلم الهندي طارق باسمه العربي، وكيف أن تأثير الاسم ينعكس على الشخصية ويتسبب في تعنيفه من قبل بعضهم أحيانا. وكذلك عبر شخصية الفتاة فرح، وتشبثها بتقالديها الإسلامية ودفاعها عنها.

تقارب الروائية جوانب من الرهاب المتنامي لدى شرائح الغرب إزاء المسلمين بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، من خلال شخصية الشاب المسلم الهندي طارق باسمه العربي، وكيف أن تأثير الاسم ينعكس على الشخصية ويتسبب في تعنيفه

وتشدد الروائية على أهمية التغيير في حياة المرء وتأثير البيئة المحيطة به في رسم ملامحه، وتركز على التغيير من الداخل، ذاك الذي يتم عن قناعة ورضى وثقة، وتكون هناك مقارنات مضمرة بين الشخصيات الروائية فيما بينها، وبين الدول التي ينحدر منها بعضهم أو يرتبطون بها، كحالة التداخل بين الصين والهند من خلال شخصيات مشتركة ذات انتماء إلى البلدين، أو حالة الأميركيين من أصل هندي، وجانب من تشظي الهوية وأزمة الانتماء.

الروائية تحبك الأحداث بحيث تقترب الحكايات من نهاياتها مع اقتراب فرق الإنقاذ من المحبوسين، بينما يتناوبون على سرد حكاياتهم الغريبة التي أعادت بلورة تصوراتهم ومواقفهم، ومع الانتهاء من كل حكاية يشعرون أنهم يقتربون من بعضهم أكثر ويصبحون أسرة واحدة، وكأنهم يعرفون بعضهم بعضا منذ زمن طويل، وليس منذ ساعات فقط. ولا تفتأ خياراتهم تضيق مع اشتداد الدمار وتساقط الأنقاض، لكن ذلك لا يمنع السير في الحكايات إلى الأخير، حتى يلوح خيط الخلاص، وتُسمع أصوات مَن يحاولون إنقاذهم.

ويحضر التركيز على دور الحكاية في إنقاذ الأرواح الهائمة المرعوبة، وتخليصها من عذاباتها الجسدية والروحية معا، وتكون وسيلة لمغافلة الموت أو تأجيله على طريقة شهرزاد في حكاياتها المتجددة. ويكون الإغراء بالحكاية والحض على تذكر أغرب حكاية عاشها كل فرد تأجيجا للخيال، وتأجيلا للنهاية القاهرة، وتمنح بدورها المجال لأمل طفيف كي ينبثق ويهدئ من روعهم.

تشير الروائية إلى أن أمر البحث عن سبل الخلاص لا يكون بانتشال الجرحى والمصابين، بل يظل انتشال الأرواح من غربتها وضياعها أمرا ذا أهمية كبرى، ولاسيما في التجارب القاهرة الأليمة وما تبثه من مخاوف ووساوس بشأن البقاء على قيد الحياة أو الموت المحتم.

المصدر : الجزيرة