يهرب السوريون من واقعهم الأليم إلى الفن والمسرح، فيجدون أنفسهم أمام مشاهد تمثيلية أقصى من الحياة اليومية، فأطفال في مخيم الزعتري حاولوا إخراج مكنونات معاناتهم ونفث غضبهم في مسرحية تحمل حكاية ألمهم تحت عنوان "رسائل من مخيم الزعتري".

ناريمان عثمان-عمّان

يقف الطفل السوري أنس (11 عاما) على حاجز تابع للنظام السوري، يستوقف المارة ويطلب هوياتهم ويعتدي عليهم، في مشهد تمثيلي يحاكي واقعا سوريا أليما جسدته مسرحية بعنوان "رسائل من مخيم الزعتري" قدمتها مجموعة من أطفال مخيم الزعتري للاجئين السوريين على أحد مسارح العاصمة الأردنية عمّان.

نقل الأطفال في عرضهم المسرحي أوجه الحياة الصعبة في بلاد الشام منذ اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/آذار 2011، حيث تبرز المظاهرات التي خرجت في بدايات الثورة، والقمع الذي ووجه به المتظاهرين السلميون، مرورا برحلة اللجوء إلى مخيم الزعتري وصولا إلى ظروف الحياة السيئة داخله.

وليد السحوم (10 أعوام) ممثل آخر في المسرحية كبر على ما يبدو قبل أوانه، وعبر بنضج عن "الجرأة" التي منحته إياها المشاركة في هذه المسرحية، وتابع أن المنظمين بذلوا معهم جهدا ليتقنوا أدوارهم في المسرحية.

فتيات مخيم الزعتري
في أحد مشاهد المسرحية (الجزيرة نت)

الزواج المبكر
واستمر تدريب الأطفال على أداء المسرحية قرابة ثلاثة أشهر، حيث عرضت المسرحية للمرة الأولى داخل المخيم ليتسنى للأهالي مشاهدة أطفالهم ينقلون ما يختلج في صدورهم، ومنحم فرصة أمل كي يروا أولادهم بعيدا عن مشهد الجوع والبكاء والحسرة.

وللفتيات أيضا دور في "رسائل الألم والمعاناة"، حيث اخترن تسليط الضوء على معاناة سكان الخيام في الشتاء عبر استرجاع مشاهد غرق الخيم بالمياه. وركزن أيضا على مشكلة الزواج المبكر للفتيات الصغيرات، من خلال ابتكارهن لقصة تدور أحداثها حول هذا الموضوع.

ورعت هذه المسرحية كل من "منظمة نيكود" اليابانية و"الهلال الأحمر" القطري. وعن سبب رعاية المنظمة اليابانية للحفل يقول منسقها إن الهدف من هذا المشروع الموجه للأطفال، هو السماح لهم بالتعبير عن مشاعرهم بحرية أمام الجمهور، والتقليل من توترهم.

ويذهب الممرض النفسي الياباني هيرويوكي مورويو إلى القول إن المواضيع التي تناولتها المسرحية حساسة بالنسبة للأطفال، مؤكدا إيمانه بقدرتهم على تجاوز تجاربهم المأساوية في بلادهم.

أما منسق البرامج في المنظمة محمد حسين فأعرب عن صدمته إزاء الواقع الذي يعيشه الأطفال السوريون داخل المخيم، وأضاف أنه تعامل "مع أطفال سوريين خارج المخيم، وهناك فرق كبير بينهم وبين أقرانهم في داخله".

ثلجي: الأطفال طالبوا بحق التعليم والرعاية الصحية والتمتع بطفولتهم (الجزيرة نت)

تعزيز الثقة
وأشار حسين إلى أن هدف البرنامج -الذي تنفذه منظمته- تعزيز ثقة الأطفال بأنفسهم، وامتصاص الصدمات التي تعرضوا لها، ومنحهم شيئا من التفاؤل ليتمكنوا من مواجهة مستقبلهم.

ومن التحديات التي واجهها فريق العمل، جهل بعض الأطفال بالقراءة والكتابة، وصعوبة الكلام لدى آخرين.

وأردف أن موضوعات المسرحية تم استقاؤها من الأطفال أنفسهم، وبعد جمع الأفكار تم اعتماد بعضها وفقا لتصويت الأطفال، ثم بدأت مهمة المدربين في كتابة النصوص.

وتقول المتطوعة في الهلال الأحمر القطري نيرمين ثلجي إن "كل طفل يحمل رسالة في هذه المسرحية"، وتضيف أنهم طالبوا بحق التعليم والرعاية الصحية، والتمتع بطفولتهم لأنهم لم يعيشوا طفولة طبيعية.

وخلصت إلى أن الفتيات طرحن مشكلة الزواج المبكر التي يعانين منها، فالأهل يعجزون عن إيواء أبنائهم، فيدفعون ببناتهم الصغيرات إلى الزواج، وهذا ما أرادوا التوعية بشأنه في المسرحية.

المصدر : الجزيرة