إبراهيم الحجري-مراكش

من الأفلام التي لفتت الأنظار في مراكش الحمراء ضمن مهرجانها الدولي للفيلم في دورته الرابعة عشرة، يأتي الفيلم النيوزيلندي المشارك في المسابقة الكبرى "كل شيء أحببناه"، والذي افتتح المسابقة الرسمية بطعم دراميّ بامتياز، مما جعل المتابعين يعيشون على إيقاع مشاعر ناكصة بفعل الموضوع الذي تناوله، خصوصا إزاء صعوبة تجاوز مرارة الفقدان.

ورغم كون الموضوع المطروق ليس جديدا في التناول السينمائي، ولا يمثل في حدّ ذاته سمة قوة في العمل الفيلمي، فإن الأسلوب الذي صيغ به جعل منه عملا جديدا، حيث لم تعد الموضوعة وحدها محل اهتمام المخرجين، بل أصبحت التقنية وزوايا الرؤية ومخرجات الفيلم من العناصر الأساسية التي يراهن عليها صناع السينما ورواد الفن السابع، لإضفاء صبغة التميز على أعمالهم، ولإثارة انتباه لجان التحكيم وجلب أكبر عدد من المعجبين والمتتبعين.

الزوجان يواجهان المأساة دون سابق إنذار (الجزيرة)

مأساة أسرة
يسرد الفيلم الذي أخرجه ماكس كوري قصة الساحر تشارلي وزوجته أنجيلا اللذين افتقدا ابنهما الوحيد هوغو بعد أن كان يملأ حياتهما سعادة وحبورا، فأصيبا بنكسة كبرى، جعلت نسيجهما الاجتماعي والنفسي يتمزق.

يحاول الزوجان عبثا استرداد الطعم السابق لحياتهما الأسرية، بعد أن سرق منهما الموت تلك الطمأنينة، وبعد أن كانا يوزعان البسمات ويدخلان السعادة على الجماهير من خلال وصلاتهما السحرية التي يقدمانها في الجولات الفنية، فقد أصبحا في حاجة ماسة إلى من يرد لهما هذا الدَّين عقب الحادث الرهيب الذي ذهب بقرّة عينيهما وهو لا يزال غضا طري العود، تاركا إياهما في عزلة رهيبة.

وتدخل الأسرة منعطفا معقدا بعد أن عجز تشارلي على نسيان ولده والتأقلم مع الحالة الاجتماعية الجديدة، فقرّر اختطاف طفل صغير اسمه طومي وإقناع زوجته بصعوبة بفكرة تبنيه، لكن أنجيلا لم تستطع بسهولة تقبّل الأمر، لأن الطفل لن يسد الفراغ الذي خلفه رحيل ابنها، خاصة وأنها ستربح سعادة هذا الامتلاء على حساب سعادة أسرة أخرى لا ذنب لها.

لكن تشارلي، يقنعها بالتدريج وعلى مضض بالوضع الجديد، وذلك على أساس أن تبني الطفل هو عمل إنساني بحكم أن والديه يعنفانه ويحرمانه من الرعاية اللازمة.

تتوالى الأحداث، ويواصل الزوجان حياتهما المستعارة وسعادتهما المزيفة عبر العناية بطفل ليس من صلبهما، ومع تتالي الإعلانات والنداءات التليفزيونية، يكتشف الزوجان المتورطان في قضية اختطاف طومي أنهما مخطئان، ويستسلمان لواقعهما بالاعتراف بذنبهما للشرطة.

الطفل المختطف تكبر معه مشاعر الإحساس بعدم الانتماء (الجزيرة)

تصوير استبطاني
تتمثل قسمة الفيلم النيوزيلندي في مقدرته على استبطان دواخل الشخصيات، والتركيز على المعاناة النفسية العميقة التي ألمّت بالأسرة الصغيرة، إذ اشتغل المخرج على ثنائية الموت والحياة، وراح يقتنص بحرَفية عالية مشاعر الألم الفياض الذي اضطرم في نفسيتيٍ الزوجين جرّاء فقد طفلهما في حادثة سير، ونضالهما معا من أجل تجاوز المحنة، واستعادة لحظات السعادة التي كانا عليها قبل الحادثة.

ونجح المخرج في نقل المشاهدين إلى جو المأساة وجرّهم إلى التعاطف مع قضية الممثلين ذات البعد الإنساني الحساس بدمجهم عنوة في حلبة الصراع، من خلال زوايا النظر وطبيعة المشاهِد واللقطات، وبالموسيقى التي رافقت إيقاع تطور الأحداث، وكأن المخرج بذلك ينبه إلى أن الإنسان بإمكانه في أية لحظة الوقوع في المأزق ذاته، ويمكن أن تفاجئه المصائر الغامضة في رمشة عين من حالة طمأنينة إلى حالة قلق، ومن حالة سعادة إلى حالة شقاء.

وتشكل هاته الفرجة مناسبة لاكتساب مناعة ضد انجرافات الحياة وتحولاتها السريعة التي تستطيع العصف بحياة الشخصية من حيث لا يحتسب. لذلك فقد خيّم الإيقاع البطيء على الفيلم، بحكم انصرافه إلى تسليط الضوء على الدواخل وأعماق الشخصيات، وجعل السمات والملامح تتكلم بدل الأحداث وسرعة الانتقال.

وفي هذا الصدد، اعتبر الناقد عبد اللطيف سندباد أن الفيلم استطاع خلق المتعة الشيقة بدفع المشاهد إلى الاسترسال في التلقي دون إحداث خلخلة كبيرة في مشاعره، بحيث كان التطور الدرامي والعاطفي للفيلم راقيا. لذلك فقد تمكن من خلال العديد من المتتاليات الفيليمة أن يبني بشكل حاذق الخلفية الدرامية للزوجين وهما يغرقان في الظلام، بماضيهما الذي أفقدهما طفلهما الشرعي، ونمط عيشهما القائم على خداع الناس بأداءات سحرية للزوج.

وأضاف سندباد أن الصبي المختطف ذا الخمس سنوات بدا طيلة الفيلم وهو يبني تدريجيا شعورا بعدم الارتياح، ويواجه الأب المزيف تشارلي بوضوح المحبة بأسئلة حارقة مثل "هل أنت أبي؟" و"أين هو المومياء؟".

المصدر : الجزيرة