محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

أقيمت الثلاثاء بالخرطوم ندوة بعنوان "كل الرحيق" عن تجربة الشاعر السوداني محمد المكي إبراهيم الإبداعية نظمها معهد البروفسور عبد الله الطيب بالتعاون مع مجلس أمناء جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي.

ويعتبر محمد المكي أحد أبرز شعراء السودان المعاصرين، وأحاطت بتجاربه الشعرية الثورية ظلال من أسئلة النقاد ومتابعي مسيرته. وكان قد هاجر إلى الولايات المتحدة في تسعينيات القرن المنصرم وعاد للخرطوم مطلع سبتمبر/أيلول الماضي.

وقد أحدث رجوعه للسودان حراكا ثقافيا امتد حتى مدينة الأبيض مسقط رأسه، وقد أثار تكريمه من قبل السلطات الرسمية أسئلة حول موقف الشاعر السياسي مما يحدث في البلاد، كما تم تكريمه عدة مرات من قبل جهات شعبية ثقافية احتفت به وبشعره.

ويقول أستاذ الفلكلور والنقد بالجامعات السودانية البروفسور محمد المهدي بشري إنه من الصعب تناول تجربة محمد المكي إبراهيم بمعزل عن تيارات الحداثة العربية، إذ كان أحد كبار المساهمين السودانيين في نقل الشعر العربي من التقليدية إلى مراتع الحداثة.

وأضاف بشري أن المكي إبراهيم مرتبط بتيار فني شعري سوداني يبدأ من أستاذهم الراحل محمد المهدي المجذوب وجيلي عبد الرحمن ومدرسة الغابة والصحراء والشاعر عبد الله شابو مرورا بأجيال كمال الجزولي والراحل عبد الرحيم أبو ذكري والشاعر الراحل صلاح أحمد إبراهيم.

المكي (يسار) عاد للسودان مؤخرا واحتفت به الساحة الثقافية (الجزيرة نت)

الماضي والحاضر
وأوضح مهدي أهمية قراءة هؤلاء الشعراء وربطهم باستدعاءات التواريخ القديمة لقراءة الحاضر، بمعنى أن أعمالهم قد أعادت القصيدة العربية إلى تلمس خطى الماضي مرورا بالحاضر وبحثا عن المستقبل، وهذا ما ينتج فضاءات كثيرة "نراها واضحة أيضا في قسمات أشعار ودراسات الراحل الدكتور محمد عبد الحي".

وذهب الأمين العام لجائزة الطيب صالح العالمية الناقد مجذوب عيدروس إلى أن لكل شاعر ملامحه الخاصة وتفرده وإضافته، إذ قدم المكي إبراهيم شعرا تمثلت فيه روحه مصحوبة بنكهة المكان الكردفاني، ولكنه من خلال شعره "الإكتوبري" أصبح شاعرا للتمرد والقلق.

وقال عيدروس إن ثورة أكتوبر التي اندلعت عام 1964 قد سبقت ثورة الشباب في العالم عام 1968، وسبقت ربيع براغ والربيع العربي بعقود.

وقال إن ثورة أكتوبر أكدت انعتاق الشعر السوداني من أسر التقليد، وخرجت به من الاتباع إلى فضاء الإبداع.

وحول محمد المكي إبراهيم وجيله، أوضح عيدروس أن هذا الجيل قد نجح في استخدام الأسطورة لقراءة الواقع، وأعاد الروح السودانية التي حاول الاستعمار قتلها من التراث والتاريخ، كما كان على تماس مع كل قضايا التحرر في العالم.

من جهة ثانية، طالب عيدروس بإخراج الشعر من السياسة حتى لا تتشابك الدروب وتتصادم المواقف والمبادئ لكي يبقى جوهر الشعر، قائلا "وإننا نحلم مع الشاعر المكي إبراهيم، ذات يوم سنذهب إلى وطن رائع وزمان جديد".

وفي مداخلته، ذهب عميد الشعراء السودانيين عبد الله شابو إلى أن صديقه المكي إبراهيم شاعر سيال يأتيه الشعر سهلا، عفوا، سهوا، وهي مقولة للبروفسور عبد الله الطيب.

أبرز الشعراء السودانيين حضروا الندوة وقدموا أوراقا حول تجربة المكي (الجزيرة نت)

حديث المكي
وتحدث في الندوة محمد المكي إبراهيم نفسه، ورسم للحضور لوحة إبداعية لأستاذه الشاعر الراحل محمد المهدي المجذوب. وقال إنه كان رجلا جريئا وعلما في تجسيد علاقة الجنوب بالشمال شعرا وحياة.

وأضاف أن الاستعمار قد نقل المجذوب لجنوب السودان كعقوبة له، ولكنه حوله إلى واحة من الشعر متغنيا به وإنسانه.

وحول علاقته بالشاعر الدبلوماسي صلاح أحمد إبراهيم، ذهب المكي إبراهيم إلى أن الأول كان من ذوي الوجدان العظيم، وكان من شعراء الغابة والصحراء.

وأشار إلى أن صلاح قد كتب مخلدا المقاتلين السودانيين في ليبيا أثناء الحرب العالمية الثانية.

وعن علاقة المبدع بالوطن، أشار المكي إبراهيم إلى ازدواجية العلاقة، متسائلا عن موت تطلع المبدع لغد أجمل وأسبابه الكامنة وراء ذلك.

أما عن علاقة المبدع بالأنظمة الحاكمة، فأكد محمد المكي أهمية تعبير المبدع عن ضيقه بتخلف بلاده وعمله من أجل استعادة دورها في المنظومة الإنسانية الحضارية، قائلا إن هذا الحديث لا يعبر عن كراهية لنظام أو اتجاه فكري.

وأضاف أن الشعر بالنسبة له صنعة، وقال "هناك شعراء تنزل عليهم القصيدة جملة واحدة، أما أنا فتنزل عليّ متجزئة، وأعيد النظر فيها في اليوم الثاني والثالث وبعد عشرات السنين، أقول أنا صانع أشعار ولست ملهما".

وقدمت في الندوة أوراق نقدية حول كتابات محمد المكي إبراهيم الشعرية والفكرية، وتضمنت قراءات لقصائده من كبار الشعراء، منهم عالم عباس وإلياس فتح الرحمن.

المصدر : الجزيرة