* هيثم حسين

تروي الباكستانية ملالا يوسفزاي (1997) الحائزة جائزة نوبل للسلام 2014، في كتابها "أنا ملالا" الذي قامت الصحافية البريطانية كريستينا لامب بكتابته وتحريره بالاشتراك معها، حكايتها وحكاية بلدها، ومحاولة تعرضها لمحاولة اغتيال من قبل أحد مسلحي طالبان، ودورها في الانتصار لحق الفتيات في التعليم، وتحدي الجهل والتخلف.

دخلت ملالا دائرة الضوء أول مرة من خلال مدوّنتها على موقع البي بي سي قسم الأردو، حيث تحدثت عن الصعوبات التي يواجهها سكان وادي سوات في ظل حكم طالبان. وكانت تكتب تحت اسم مستعار هو "جول مكاي"، وتتحدث عن نضال أسرتها في الدفاع عن حق فتيات مجتمعها في التعليم.

تعرضت ملالا في أكتوبر/تشرين الأول 2012 لهجوم من أحد مسلحي طالبان أصيبت خلاله بطلق ناري في رأسها، وهي في طريق العودة إلى البيت على متن حافلة المدرسة. وقد نجت من الموت بأعجوبة لتواصل دعوتها ونضالها من أجل التعليم.

يحتوي الكتاب على خمسة أقسام بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، وكل قسم يحوي عدة فصول، الأقسام هي: "ما قبل طالبان"، "وادي الموت"، "ثلاث فتيات وثلاث طلقات"، "بين الحياة والموت"، "حياة ثانية".

ترسم ملالا في كتابها -الذي صدر حديثاً عن المركز الثقافي العربي ودار سما للنشر بترجمة أنور الشامي- خريطة للتطورات التاريخية والاجتماعية والسياسية لبلادها، وكيف تعاقبت عليها السلطات، وصولاً إلى وقوعها في قبضة طالبان، وتحت هيمنة من المتاجرين بالدين، بحيث فرضوا عليها طوقاً حديدياً من العتمة والظلم، وأجبروا أهلها على الرزوح تحت هيمنة العنف والقمع.

وكان مصير من يعارض هو الاغتيال والتنكيل، فتراجعت الحياة الاجتماعية وانحسرت الأنشطة المدنية، وأصبحت المنطقة خارج التاريخ والعصر، منتمية إلى عصور بدائية، تفشى فيها العنف واستشرى الإرهاب، وبدأت دورة جديدة من التخريب والتدمير بأكثر من معنى.

تغيرات وأحلام
يحتوي الكتاب على خمسة أقسام بالإضافة إلى المقدمة والخاتمة، وكل قسم يحوي عدة فصول، الأقسام هي: "ما قبل طالبان"، "وادي الموت"، "ثلاث فتيات وثلاث طلقات"، "بين الحياة والموت"، "حياة ثانية".

تصف ملالا اليوم الذي تعرضت فيه للاعتداء بأنه يوم تغير عالمها. انتقلت وهي فاقدة الوعي إلى خارج البلد للمعالجة، وأقامت في مدينة برمنغهام ببريطانيا. وهي تصف نفسها بأنها نشأت في بلد تأسس في منتصف الليل. وأنها عندما كانت على شفا الموت كان الوقت قد تجاوز منتصف النهار بقليل.

تحكي عن المضايقات الكثيرة التي تعرضت لها أسرتها -وبشكل خاص والدها- والتهديدات التي ظل يتلقاها، لكنه أصر على الدفاع عن حق ابنته في التعليم، وحق الفتيات في مجتمعها أيضاً، ما وضعه كعدو لقوى الظلام من طالبان، الذين حاولوا التربص له والإيقاع به.

تذكر ملالا بأسى وأسف أنها كانت ترى كوابيس مزعجة، وكانت خائفة على مصير أبيها، وتتخيل مواجهتها مع الإرهابي الذي قد يهاجمها، وتسأل نفسها ماذا عساها أن تفعل، تقول لنفسها إنها سوف تخلع حذاءها وتضربه، ولكنها تعود وتقول إنها إن فعلت ذلك، فلن يكون هنالك أي فرق بينها وبين ذاك الإرهابي. تفترض أن الأحرى بها أن تدافع عن نفسها وتساجل الإرهاب بالفكر والرأي.

تستذكر ذكريات طفولتها البريئة في المدرسة، وأحلامها في أن تخدم مجتمعها، وأحلام صديقاتها بأن يصبحن طبيبات في المستقبل. تستعيد تحذيرات صديقتها "منيبة" لها وقلقها الدائم عليها، وكيف أنها كانت تهدّئ من روعها، وتطمئنها قائلة "لا داعي للقلق. فالطالبان لم يتعرضوا لفتاة صغيرة قط".

تروي ملالا تفاصيل محاولة اغتيالها من قبل مسلحي طالبان، إذ كانت عائدة من المدرسة مع رفيقاتها، أوقف الحافلة رجل ملتحٍ، وسأل بعض الأسئلة "السخيفة"، قبل السؤال عنها، وتروي كيف أشهر مسدساً أسود اللون، وأطلق ثلاث رصاصات متتالية عليها، اخترقت الأولى محجر عينها اليسرى وخرجت من تحت كتفها الأيسر. وجدت الرصاصتان الأخريان طريقهما إلى الفتاتين الجالستين بجوارها. تقول إن صديقاتها أخبرنها لاحقاً أن يد المسلح الذي أطلق عليها النار كانت ترتعش وهو يطلق النار.

نضال مستمر
تتحدث ملالا بإعجاب وإكبار عن والدها ضياء الدين الذي تقول إنه يختلف عن معظم رجال البشتون، وأنه سُرّ لمولدها، ولم يأبه للأعراف الاجتماعية البليدة، بل أضاف اسمها إلى شجرة العائلة. تقول "أخذ الشجرة، ورسم خطاً يمتد من اسمه وفي نهايته كتب "ملالا". وذلك دون أن يأبه لسخريات المحيطين به.

والدها الذي لمح في عيون ابنته شيئاً مغايراً وحرص على الاحتفاء بها، وأسماها باسمها تيمناً بالبطلة الأفغانية ملالاي مايواند التي ينظر إليها البشتون باعتبارها نظيرة جان دارك، وهي التي كان اقتحامها لميدان المعركة مصدر إلهام للجيش الأفغاني الذي تمكن من إلحاق الهزيمة بالبريطانيين في العام 1880 في واحدة من كبريات معارك الأنجلو أفغانية الثانية. وتقول إن اسمها لم يرق لجدها الذي كان عالم دين وفقيهاً للقرية، وقال لابنه "إنه اسم حزين. إنه يعني المهمومة".

قررت ملالا منذ سن مبكرة أنها لن تصبح صورة عن نساء بلدها المقيدات بالأعراف والعادات، وكان أبوها يقول "ملالا سوف تكون مثل طائر حرّ طليق".

تتحدث عن نضال والدها في تأسيس المدرسة التي أسماها "خوشال"، وهو الاسم الذي اختاره لابنه الذي ولد بعد ملالا بسنتين، وكيف أن والدها كان مختلفاً عن المحيطين به من حيث الآراء والأفكار والقناعات.

وتؤكد ملالا على اعتدادها بوطنها باكستان رغم أنها -ومثلما هو حال كل شعب وادي سوات- تعدّ نفسها من سوات أولاً، ثم من البشتون قبل أن تكون باكستانية. تراها تمثل الشخصية الباكستانية المنفتحة الجامعة للانتماءات والولاءات، المتصالحة فيما بينها، بعيداً عن تفضيل هوية على أخرى، أو التعصب لانتماء على حساب آخر.

تذكر أنها كانت تحلم بصعود جبل إلوم مثلما فعل الإسكندر الأكبر لملامسة جوبتر، والذهاب إلى ما هو أبعد من الوادي، لكنها كانت عندما تشاهد أخويها يركضان عبر سطح المنزل، ويطيّر كل منهما طائرته الورقية وبمهارة يرخيان ويشدان خيطيهما لإسقاط طائرة الآخر، كانت تتساءل عن مدى الحرية التي يمكن أن تبلغها الفتاة مستقبلاً.

تعبر ملالا عن ألمها حين كبرت قليلا وعلمت أنه ينبغي على الفتيات المكوث في البيت، وأن واجبهن هو الطهي وخدمة الأشقاء والآباء. وتظهر كيف أنها قررت منذ سن مبكرة أنها لن تصبح صورة عن نساء بلدها المقيدات بالأعراف والعادات، وكان أبوها يقول "ملالا سوف تكون مثل طائر حرّ طليق".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وروائي سوري

المصدر : الجزيرة