محمد أمين-لندن

لا يزال صدى صرخة السيد المسيح الأولى في الأرض المقدسة يتردد في أرض البرتقال الحزين، ففسيفساء فلسطين التي رسمت بالحب والعدل والتسامح تعاني اليوم آلام الاحتلال والطرد والاحلال، تحت وطأة وسطوة مشروع العنصرية الذي انتهى فيه مسلمو ومسيحيو فلسطين محاصرين مهجرين تائهين بين قسوة الحصار وآلام الغربة والبعد عن الديار.

وتروي المخرجة الإيطالية ياسمين بيرني في فيلمها "الحجارة تصرخ" جانبا من صرخات مسيحيي فلسطين الذين تقول إنهم "كمسلميها يعانون من احتلال يساوي بينهم في الخنق والحصار والتهجير".

ومن رحم المعاناة والحزن العميق -تقول بيرني للجزيرة نت في لندن- جاءت ولادة فيلمها، فمسيحيو فلسطين خاصة في بيت لحم، المدينة المحاطة بجدار إسمنتي يبلغ ارتفاعه تسعة أمتار، فيما يكتب مسيحيو العالم ويوقعون لبيت لحم في أعياد الميلاد كمكان سعيد، إلا أن الحقيقة التي لا يعرفونها أنها "غيتو مغلق وخانق".

وحول اختيارها تخصيص فيلم للمسيحيين، تقول بيرني إن قرابة نصف المسيحيين الفلسطينيين يعيشون في بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، وإنها اختارت إعطاء صوتها لهم لأنهم "الصوت النادر سماعه" موضحة أن الكثيرين دهشوا عندما عرفوا أن هناك مسيحيين لا يزالون يعيشون في الأرض التي ولدت فيها المسيحية.

وبدأت قصة الفيلم عندما زارت بيرني مدينة بيت لحم عام 2006، ما أصابها بصدمة للواقع الفلسطيني في مهد المسيح، حيث بدت المدينة "ميتة ويحيط بها الجدار الفاصل" إضافة إلى الحواجز العسكرية الإسرائيلية في كل مكان.

لقطة من فيلم "الحجارة تصرخ" الذي يسلط الضوء على وضع مسيحيي فلسطين (الجزيرة)

الحجارة الحية
كيف للحجارة أن تصرخ؟ تقول بيرني إن الفلسطينيين المسيحيين يسمون أنفسهم "الحجارة الحية" ذلك أن كثيرا من الحجاج الذين يزورون الأرض المقدسة ليلمسوا الأماكن المقدسة ويصلوا فيها ينتقلون من كنيسة لأخرى "لكن لا أحد منهم يفكر في الناس الذين يعيشون هناك، وهم أحفاد التلاميذ الأوائل الذين عاشوا من وقت يسوع".

وتستطرد المخرجة منتقدة نسيان العالم المسيحي لمهد المسيح قائلة إن إنجيل لوقا يروي أن المسيح وهو في طريقه للصلب (وفق المفهوم المسيحي) تحوّل إلى تلاميذه وحذرهم من أن يكونوا صامتين، وقال "إذا كنت صامتا فحتى الحجارة تصرخ" وحث على عدم التزام الصمت في مواجهة الظلم.

وفي "الحجارة تصرخ" تقول بيرني إن المسيحيين الفلسطينيين يستغيثون ضد الظلم ويصرخون من أجل العدالة وضد الاحتلال.

ويسرد الفيلم أحداث ما بعد النكبة حيث جاءت النكسة في أعقاب حرب يونيو/حزيران 1967، ثم الاستيطان وجدار العزل الذي بات يحاصر مدينة بيت لحم مهد المسيح ويعزلها عن القدس وينتزع أراضي القرى والبلدات والمدن الفلسطينية ويمزقها.

وبدأ اهتمام المخرجة بقضايا الشرق الأوسط من نشأتها في مصر، ثم سفرها للقدس العاصمة المقدسة التي تقول إنها غيرت حياتها. وتشير إلى أنه على الرغم من أن المصريين لديهم فكرة بسيطة أو "خافتة" على حد تعبيرها عن تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويتعاطفون مع الشعب الفلسطيني، فإنهم كالغرب لا يعرفون معاناة العيش تحت الاحتلال وصعوبته.

وتضيف بيرني في معرض محاولة وصف قسوة الاحتلال "في فلسطين تشاهد الظلم، من نقاط التفتيش والجدار واللوحات المختلفة لسيارات الفلسطينيين والإسرائيليين، ومن الصعب ألا ترى كيف يعاني الفلسطينيون، وهذه المعاناة الخفية دفعتني لجمع قصصهم، وفي نهاية المطاف إنتاج فيلم وثائقي يروي معاناتهم".

الفيلم يكشف أن المسيحيين يعانون مثل المسلمين من الاحتلال الإسرائيلي (الجزيرة)

وحدة المعاناة
تعبر بيرني عن اعتقادها بأن المسيحيين والمسلمين الفلسطينيين يقاسون ذات الألم، لكن إسرائيل تحاول الإيهام بأنها تعامل المسيحيين بشكل أفضل، لكن المسيحيين لديهم ذات القيود في التنقل، وعليهم تخطي ذات نقاط التفتيش وتلقي ذات الإهانات.

وتضيف أنه لو كان صحيحا أن إسرائيل تعامل المسيحيين بشكل أفضل لما خُنقت مدينة بيت لحم، ولم تتم مصادرة أراض تابعة لهم، ولكانوا أحرارا في الذهاب للجانب الآخر من الجدار لقطف ثمار زيتونهم، ولكن هذا لم يحدث.

وتؤكد بيرني أن المسيحيين يعانون من الهجرة الكبيرة لأبنائهم، فكثير منهم له صلات تاريخية بالغرب وهذا يتيح لهم الهجرة بسهولة، وبالتالي فإن أعدادهم آخذة في التضاؤل في حين يصمت الغرب.

وحيث إن اللغة أو الجنسية لم تعد عائقا لفهم المعاناة الفلسطينية وظلم الاحتلال، ترى بيرني أن كونها مخرجة إيطالية لا يؤثر على الشعور بمعاناة الشعب الفلسطيني بدرجة أكبر أو أقل، لأن ما يهم "هو ارتباط الأمر بك كإنسان ومستوى إنسانيتك، فمعاناة شعب تحت الاحتلال هي مأساة إنسانية".

وتختم المخرجة الإيطالية حديثها مع الجزيرة نت بالإشارة إلى أنها تعمل حاليا على إنتاج النسخة العربية من فيلمها ليكون متاحا للعرض بالشرق الأوسط، وعبّرت عن أملها في أن يعم السلام في الأرض المقدسة.

المصدر : الجزيرة