أمير تاج السر*

منذ سنوات طويلة -وبالتحديد أيام كنت طالبا في المرحلة الثانوية بعيدا عن سكك الرواية- كنت أكتب شعر الأغنيات وأزهو به وسط زملائي أو في حفلات الأعراس حين يردد مغن ما إحدى قصائدي ملحنة، تعرفت إلى كاتب روائي شاب آنذاك.

كان هذا الشاب منغمسا في كتابة رواية كما قال، يردد اسمها في كل وقت، ويحكي جانبا من أحداثها التي تدور في مدينة بورتسودان بتسلسل غريب وتشويق ومتعة كبيرة، ولدرجة أنني كنت أتشوق إلى ملاقاته للاستماع إلى حدث جديد داخل روايته التي يكتبها، ولا يعرف أحد متى تنتهي وتنشر لتقرأ كاملة بدافع ذلك التشويق الكبير.

لكن السنوات طالت، والأيام تمددت بخيرها وشرها، وانغمست أنا في كتابة الرواية بعد ذلك، وظهر آلاف الروائيين في الوطن العربي، وغرقنا في طوفان من الروايات، ولم تظهر رواية ذلك الشاب القديم التي كان يكتبها في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، ولم تظهر أي رواية أخرى تحمل اسمه لأفاجأ منذ عدة أيام برسالة تحمل اسمه الذي لم أنسه قط، وفيها يخبرني بأنه يكتب رواية، وسيرسلها لي للإدلاء برأيي، وكانت مفاجأة الاسم، إنه الاسم نفسه الذي كان متداولا مع التشويق في سبعينيات القرن الماضي.

صادفت كثيرا من حملة الأفكار الجيدة ولغة الحكي الرائعة التي يشيدون بها رواية في خيالهم، لكنها لن تكتب في يوم من الأيام لسبب بسيط هو عدم وجود مقومات الكاتب في معظم هؤلاء

عقود من الكتابة
وفي العام الماضي التقيت برجل مسن، ربما كان في بداية الثمانينيات من العمر، يحمل على ظهره انحناء العمر، وتجارب كبيرة، ويملك ذاكرة خصبة إلى حد ما، حكى لي أنه يكتب رواية عن الحرب العالمية الثانية التي عاصرها مراهقا، وتأثيرها على العالم العربي، حكى مقاطع تبدو جذابة من الرواية، ولخص قصتها التي تبدو أيضا على درجة من الجاذبية، لكن المفاجأة هي أن الرجل ذكر أنه بدأ كتابة هذه الرواية عام ١٩٤٩ ولم تكتمل حتى الآن، وأيضا سيكملها ويرسلها لي من أجل أن أدلي برأيي.

وأثناء تجوالي في أحد معارض الكتب العربية التقيت بسيدة في الـ65 قرأت بعض أعمالي، كانت فصيحة ونشطة اللسان، وتملك ذاكرة حية تحمل الإرث والمعاصرة معا، وحكت كذلك عن رواية لها تكتبها منذ ثلاثين عاما وتنتظر أن تكملها قريبا، لترسلها من أجل إبداء الرأي.

هذه النماذج التي ذكرتها لكتاب مؤجلين، أو كتاب يحملون قصصا موءودة قد تبدو غريبة فعلا، لكن لن تكون غريبة لو قسمت الكتابة إلى كتابة واقعية تكتب بالفعل في دفقة واحدة أو دفقات متعددة وتنشر في الكتب، أو كتابة حلم تكتب في الذهن، وتسرد على الآخرين، لكن هناك ما يعوق تحولها إلى واقع تحمله الكتب.

وقد صادفت كثيرا من حملة الأفكار الجيدة والذاكرات الخصبة ولغة الحكي الرائعة التي يشيدون بها رواية في خيالهم، لن تكتب في يوم من الأيام لسبب بسيط هو عدم وجود مقومات الكاتب في معظم هؤلاء، فالأمر بالتأكيد ليس ذاكرة يعلق بها الجيد والرديء في الوقت نفسه، وليست أفكارا غريبة أو خصبة تنثر في المجالس بسخاء، وليست أسماء أعمال روائية فيها من الإيحاء الشيء الكثير.

النص الباحث عن القارئ لا بد أن يكون نصا مستبدا، نصا سجانا، يعتقل كاتبه طوال فترة كتابته ولا يتركه إلا حين يدلق كل ما عنده على الورق

سجن الكتابة
المسألة طويلة ومعقدة، بمعنى أن كتابة رواية في الواقع تحتاج أولا إلى ثقافة كبيرة، تلك الثقافة التي تنتزع الأفكار من الذهن انتزاعا وترصفها في الورق، تحتاج بالقطع إلى صبر طويل شبيه بصبر المخترعين حين يحتجزون أنفسهم في مختبرات ضيقة وسجون اختيارية لينجزوا لنا اختراعا سنستفيد به أو نلهو بفضله.

والذي يحتك بالمبدعين عموما، خاصة كتاب الرواية -باعتبارها الجنس الإبداعي الأطول والأكثر تعسفا في سجن صاحبه- سيرى ملامح الوحدة والعزلة واضحة عليهم، سيرى المعاناة مؤطرة، وحين يحكون عن أفكارهم لا يحكون بمتعة كبيرة وإنما بتحسر كبير.

أعتقد أن أكثر من ثلاثين عاما لم ينضج فيها نص فذلك يعني أن النص لن ينضج، أو بالأحرى ليس هناك نص ينتظر النضج حتى يقرأه أحد، والنص الذي ابتدأت كتابته في نهاية أربعينيات القرن الماضي حين كان الكاتب شابا، والشخوص ربما كانوا شبابا أيضا والأحداث طازجة في ذهن صاحبها تحمل سمات ذلك العصر ولم ينته حتى الآن لن ينتهي قطعا أو لم يكتب أصلا ببداية حقيقية لينتهي نهاية حقيقية.

قلت للسيدة صاحبة الذاكرة الحية والإرث الخصيب والرواية التي مرت على بدايتها ثلاثون سنة إنني أتمنى أن تكون هناك رواية، لكن لا أعتقد أنك ستكتبينها فعلا، ربما تكونين قارئة جيدة ومثقفة تتفاعل مع نصوص الغير، لكن الكتابة عمل آخر فلم تقتنع برأيي.

وأقول للذين يحملون الأفكار حتى لو كانت جيدة فعلا، ويطمحون لكتابتها أسوة بغيرهم ممن ملؤوا ساحة الكتابة إن النص الباحث عن القارئ لا بد أن يكون نصا مستبدا، نصا سجانا، يعتقل كاتبه طوال فترة كتابته ولا يتركه إلا حين يدلق كل ما عنده على الورق، والنصوص التي تفرج عن صاحبها مبكرا أو تعتقله بليونة شديدة ولا تعذبه تضيع في الأغلب مثلما ضاعت نصوص تلك النماذج التي ذكرتها، وعندي شخصيا نصوص فرت باكرا، وتركتني طليقا وبذلك لم أكتبها، وسميتها نصوصا مهملة.

المتتبع لحركة الكتابة محليا في العالم العربي أو عالميا يجد أن الكتابة طقوس وأسرار بعضها يبوح بها الكتاب وبعضها يبقى حبيس الصدور، لكن المحصلة هي أن الكتابة التي يريد صاحبها أن تخدمه بالفعل عليه أن يخدمها هو أولا.
_______________
* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة