محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

بعد مرور ما يقارب النصف قرن على رحيل الشاعر توفيق صالح جبريل، استرجعت الأوساط الثقافية السودانية سيرته الحياتية والشعرية بإصدار مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي كتاب "شاعر الدهليز.. توفيق صالح جبريل". وقام بإعداد الكتاب د. أحمد عكاشة أحمد فضل الله وعادل عثمان عوض جبريل.

والدهليز في التاريخ الأدبي السوداني يرتبط بتاريخ الثورة المهدية، إذ تم بناؤه كجزء من سرايا لأسرة آل جبريل التي ينتمي إليها الشاعر، ولعب الدهليز دورا أدبيا وثقافيا وسياسيا في عشرينيات القرن المنصرم بجانب صالون السيدة "فوز" الأدبي ملتقى رواد الحركة الوطنية السودانية بأبعادها السياسية والثقافية.

واشتهر توفيق (1897-1966) بشاعر الدهليز، وهو يُعد أحد أبرز الشعراء السودانيين الذين ساهموا في إخراج القصيدة العربية السودانية من التقليدية إلى الحداثة، وتميز شعره بغنائية عالية، وكان مرآة للتاريخ الاجتماعي والأدبي والسياسي لتلك الفترة. كما عُرف بنظمه أشعار الإخوانيات والتي لا تخلو من الطرافة والحميمية ومحاولة رسم اتجاهات المجتمع وتبايناته وفق بوصلة الحياة العامة.  

عبد القدوس الخاتم: توفيق صالح جبريل له أهمية كبيرة في مسار الشعر السوداني بحيث يمكن موازنة دوره بدور خليل مطران في مصر

وعمل الشاعر الراحل بسلك الحكومة الإنجليزية نائبا للمأمور، ونسبة لمواقفه الوطنية لم يحظ في فترة عمله التي استمرت أكثر من ثلاثين عاما بالترقية إلى رتبة مأمور، ويُعد توفيق أحد مؤسسي جمعية الاتحاد السرية التي انبثقت منها جماعة اللواء الأبيض بزعامة علي عبد اللطيف عام 1924، والتي تعد نقطة تحوُّل في الحركة الوطنية السودانية في مواجهة المستعمر البريطاني، وكانت ترفع شعار الاتحاد مع مصر. 

أقوال نقدية 
أطلق والد الشاعر اسم توفيق على ابنه تأسيا بجده الذي كان يعمل في حاشية الخديوي توفيق بن إسماعيل باشا، أحد حكام مصر في فترة ثورة أحمد عرابي ودخول المستعمر الإنجليزي إلى مصر. وقد سخر الشاعر توفيق من ذلك، وذكر الكاتب السوداني محجوب عمر باشري أن الشاعر سمى ابنه "عاصما" ليعصمه الله من الطغاة والمستبدين.

ومن معاداة الشاعر الراحل جبريل للمستعمر، قصة حرقه للعلم الإنجليزي في مدينة أم روابة بالاحتفال الذي كان يقام سنويا بعيد جلوس الملك جورج، مما زاد من متاعبه مع الإدارة الاستعمارية التي كانت تخاطبه استفزازا بجملة "إلى نائب حضرة المأمور" كما تمت إحالته إلى المعاش قبل انتهاء فترة عمله بحجة المرض للتخلص منه.

يقول الناقد السوداني عبد القدوس الخاتم إن لتوفيق أهمية كبيرة في مسار الشعر السوداني "بحيث يمكن موازنة دوره بدور خليل مطران في مصر". وذهب إلى أن التجربة عند الشاعر توفيق لا تنفصل عن الشاعر، والشاعر لا ينفصل عن التجربة. وأضاف "وهو من مهَّد لظهور الجيل الوسيط من شعرائنا الكبار مثل التجاني يوسف بشير ومحمد المهدي مجذوب والناصر قريب الله".

بينما يرى الكاتب العربي حليم اليازجي في أدب توفيق صالح، أنه يمثل أدب الذات والمجالس الخاصة، وهي الفئة التي حملت لواء التجديد مبنى ومعنى في الشعر السوداني، وإليها يعود فضل الريادة في إخراجه من أجواء التقليد وتحريره من قيود الأساليب الموروثة تأثرا بمدرسة الديوان في مصر.

الرحيل
تحول الشاعر الراحل في أخريات سنواته إلى التأمل الفلسفي في الوجود والموت بعدما أقعده المرض في دهليزه الأدبي، وفيما يروى أن الشاعر كان قد وجه بحفر قبره قبل رحيله وكان يتعهده بقراءة القرآن حتى رحل إليه. وانعكس كل ذلك في أشعاره، فقد رثى نفسه قبل رحيله بثلاث سنوات في قصيدة قال فيها:

يا لاهيا مشمخر الأنف معتليا
في ركن مجد من العلياء تيَّاهِ
قبل انتقالك لمثوى الرحيل أفِقْ
واصلح لحكم عزيزٍ آمرٍ ناهِ
أحبتي ودّعوني غبت فانصرفوا
إلى اللقاء فإني عنكم لاهِ
بجانب الله يأويني ويسعدني
بعطفه فدعوني جانب اللهِ  

وتغنى الفنان عبد الكريم الكابلي بقصيدة توفيق "حديقة العشاق" التي تعد من أشهر أغنيات المكتبة الغنائية في السودان، وفيها يقول:
كسلا أشرقت بها شمس وجدي
فهي بالحق جنة الإشراق
كان صبحا طلق المحيا نديا
إذ حللن حديقة العشاق
نغم الساقيات حرك أشجاني
وهاج الهوى أنين السواقي 

المصدر : الجزيرة