يعتبره الأستاذ الجامعي إبراهيم زدّور من أفضل المفكرين الجزائريين الحاليين وأعز تلاميذ المفكر مالك بن نبي، وأكثر من يمكنه التوفيق بين الذاكرة والتاريخ.. إنه الدكتور صادق سلاّم الباحث والمؤرخ الجزائري الذي يروي لبرنامج "المشّاء" علاقته بالمفكر بن نبي وأسباب توجهه نحو الاهتمام والكتابة عن الإسلاميات.

في بداية السبعينيات انتقل سلاّم -كما يروي هو بنفسه- إلى العاصمة الفرنسية باريس رفقة مجموعة من الجزائريين لدراسة الرياضيات المطبقة في علوم الهندسة، لأن الهاجس في ذلك الوقت كان الشعور بالتخلف التقني.

في تلك الفترة انتقل بن نبي للعلاج في أحد مستشفيات باريس، وكان لقاء سلام بأستاذه حيث كان يتردد عليه رفقة مجموعة من الأصدقاء. ومن الأشياء التي يتذكرها سلام أن بن نبي نصحه بمواصلة القراءة، "لأن العرب لا يقرؤون"، وذلك بعدما لاحظ أنه يأتي لزيارته ومعه جريدة "لوموند" الفرنسية.

يتذكر ضيف برنامج "المشاء" أن المفكر الجزائري كان في نصف غيبوبة، ورغم ذلك كان قوي الملاحظة، ونقل عنه قوله "إن العلوم الدقيقة يمكن أن تشكل خطرا على المجتمعات التي لا تعرف نفسها، وبالتالي نحن بحاجة إلى العلوم الإنسانية والتاريخ وإلى قراءة القرآن من جديد".

الاهتمام بالإسلاميات
بعد رجوع بن نبي إلى الجزائر ووفاته يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1973، طُلب من سلام أن يلقي محاضرة عن المفكر الراحل، ويقول سلام إنه شعر وقتها أن الرياضيات لا تساعد على الكلام عن المفكر الجزائري، فبدأ من حينها بالاهتمام بالإسلاميات وبقراءة كتب بن نبي من جديد.

لقاء سلام مع بعض المفكرين من أمثال بن نبي وحميد الله ومحمد أركون وجاك بيرك، غيّر مجرى مساره العلمي، فراح يختص بالبحث حول الإسلام في فرنسا، حيث صدرت له مجموعة من الكتب في هذا المجال، ثم انتقل في ما بعد إلى البحث في الإسلام المعاصر، ثم في ثورة التحرير الجزائرية عبر الأرشيف الفرنسي.

يرى سلام أن فرنسا تزيّف تاريخ الإسلام فيها لتجعله مرتبطا بالإسلام السياسي، لكنه يشدد على أن الإسلام يعود إلى أزمنة بعيدة عرفت تسامحا وتعايشا.

وخلّف بن نبي (1905-1973) إرثا ثقافيا ضخما يربو على ثلاثين كتابا، منها: الظاهرة القرآنية، وشروط النهضة، فضلا عن سجالاته الفكرية مع كبار العلماء والمثقفين.

وينفرد بن نبي بمصطلح "القابلية للاستعمار" الذي استعمله أول مرة عام 1948 في كتابه "شروط النهضة"، ويعتقد أن الظروف التاريخية والاجتماعية والنفسية لشعب هي ما يجعله قابلا للاستعمار.

المصدر : الجزيرة