هيثم حسين

يحاول السوري محمد ديبو في "كمن يشهد موته" توثيق إرهاصات الثورة السورية، يلتقط شرارات البداية، ويعود إلى مرحلة التخطيط للمظاهرات التي بدأت في منتصف مارس/آذار 2011 وحالة الحراك الشعبي السابقة عليها، والتعاطف مع الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا واليمن، وما يسميها تمرينات على الاحتجاج، حيث كان التظاهر تنديدا بممارسات تلك الأنظمة في التعاطي مع ثورات الشعوب.

يختار ديبو في كتابه -الذي صدر ضمن سلسلة شهادات سورية عن دار بيت المواطن للنشر والتوزيع، دمشق 2014- طريقة اليوميات التي يخمّن أنها قد تكون أكثر تعبيرا عن الحالات المختلفة، والضغوط الكثيرة التي يتعرض لها السوري، ويكون حديثه المشوب بشحنات عاطفية ولغة شاعرية معبّرا عن الذات والآخر في وقت واحد، إذ يستذكر تفاصيل تظاهره واعتقاله، ثم تعاظم الخوف في قلبه وروحه، وتأقلمه التالي مع خوفه، وترويضه وحش الخوف في داخله، والتمكن من تهدئته ومحاولة التغلب عليه ومنع تعطيله لسير الحياة.

فظاعة السجن
يُظهر صاحب "خطأ انتخابي" فظاعة السجون والمعتقلات السورية، وكيف أن كثيرين ممن قضوا فيها بقوا أرقاما، حتى إن أهلهم لم يعرفوا بموتهم، وذلك بالتزامن مع إظهار السلوكيات الانتقامية التي تقوم بها قوات النظام في تعذيبها المعارضين والمتظاهرين، وحالة المبالغة في التعذيب حين يكون المتظاهر منتميا لهذا الطيف من المجتمع السوري أو ذاك.

عالم السجن يحظى باهتمام لافت من قبل ديبو، فهو يشير إلى زرع الأمن مخبرين له بين السجناء لاستدراجهم إلى فخاخ الاعترافات ومواجهتهم بها بعد ذلك في التحقيقات

عالم السجن يحظى باهتمام لافت من قبل ديبو، فهو يشير إلى زرع الأمن مخبرين له بين السجناء لاستدراجهم إلى فخاخ الاعترافات ومواجهتهم بها بعد ذلك في التحقيقات.

ولا يكتفي بتصوير عوالم السجن من حيث علاقات السجناء والسجانين وتفاصيل الحياة القاسية والتعذيب الوحشي، بل يتخيل ما يعترك في نفوس الجلادين ويبحث عن بذرة الخير التي توجد في قلب الإنسان، بالموازاة مع توصيفه للشر المتغوّل الذي يودي بكثير من الضحايا في عملية انتقام منهجية، وحالة تكييف السجين لجسده في ظل الظروف البائسة التي يعانيها.

كما يتحدث ديبو عن مواقف عصيبة تعرض لها ويستلهم عنوان كتابه من حادثة وقعت له، وذلك حين أذيع خبر موت شخص آخر اسمه "محمد ديبو" في دوما، وتخيل جميع أصدقائه ومعارفه أنه هو من مات، فيشهد التخبط بشأن ذلك، وسبل التواصل معه، ومهاتفته للاطمئنان عليه، والتحقق من كونه لا يزال حيا يرزق. ثم بمرارة يصف أن الآخر الذي مات له أيضا أحباء وأهل وأصدقاء، وأنه ليس رقما، بل له حكايته التي ينبغي عدم نسيانها، وأنه كانت له أحلامه الكثيرة التي منعه الموت من تحقيقها.

الخوف المتعاظم يحضر بأكثر من صيغة لدى ديبو، ويمر بعدة مراحل، كمن يتمرن على مسألة مستعصية على الحل، وبين المرحلة والأخرى يرفع سقف الجرأة ليجد أن خوفه يتناسب عكسا مع حالته وتعبيره عن الوقائع، وكأن مجابهة الخوف هي الوسيلة الفضلى لتقزيمه وتبديده.

يستذكر التحقيقات الكثيرة التي أجريت معه من أجل كتاباته، ومدى الترهيب الذي مورس عليه، وكيف أن ذلك كان يدفعه للاستمرار في درب المواجهة السلمية وتفكيك منظومة الطغيان بالفكر والأدب.

غير أن الأم هي الوطن الحقيقي، وهي التي يحسب الكاتب لمشاعرها الصادقة ألف حساب، يحجم عن القيام ببعض الأفعال من باب الحرص عليها ومداراة خوفها الرهيب عليه وقلقها الدائم بشأنه، ويخاف من افتراس الخوف لقلبها الحنون، فيراعيها ويسايرها، لكنه في لحظة الحقيقة والمواجهة يمضي مع أبناء بلده بحثا عن سبل تحطيم القيود، ويسعى إلى إعادة الاعتبار للجانب السلمي والنشاط المدني والأدبي في الثورة، ملتمسا الأعذار لنفسه في تخطي خوف أمه الذي يشبّهه بالقيد.

سجل الشهداء
يوجب الكاتب توثيق ذاكرة الثورة السورية، وينوه على خطورة الاكتفاء بإحصاء أرقام الشهداء، كي لا يصبح الشهداء أرقاما مجردة، بل يجب أن يكون لهم سجلهم الخاص النابض الذي يحفظ حكاياتهم ورواياتهم فيها، وضرورة الالتفات إلى الجانب الإنساني في مناهضة الديكتاتورية ومناصرة الثورة، والتركيز على الأهداف التي قامت من أجلها بعيدا عن حالات التطرف والتشدد التي اجتاحت تاليا، بحيث وضعت الثوار بين خيارات صعبة، في معادلة طرفاها قصف النظام وتنكيل المتطرفين.

يرصد ديبو بدايات تفتت البيت الداخلي السوري، وبدء التشرذم بين أبناء البلد أو القرية الواحدة، أو حتى بين أفراد الأسرة الواحدة في بعض الأحيان، كما في حالته وحالة قريب له اختار الوقوف إلى جانب النظام

ولا يوارب ديبو في تحليله وسرده وتقديمه للحقائق والوقائع التي كان شاهدا عليها، وللمواقف والأحداث التي مر بها وتعرض لها، فهو يسمي الأمور بمسمياتها، ويتمتع بجرأة التشخيص والتفكيك والإشارة إلى موطن الداء، من دون أن يغلف سرده بأية مزاعم بطولية، بل يبرز الضعف الإنساني ووحشية المعتقل، وفظاعة الجلادين ووسائل زرعهم الأحقاد والضغائن بين أبناء البلد الواحد.

كما يرصد ديبو في كتابه بدايات تفتت البيت الداخلي السوري، وبدء التشرذم بين أبناء البلد أو القرية الواحدة، أو حتى بين أفراد الأسرة الواحدة في بعض الأحيان، كما في حالته وحالة قريب له اختار الوقوف إلى جانب النظام، وقضى في هجوم على المكان الذي كان يخدم فيه، ويتخيل مساجلة مفترضة معه، ويفترض محاججته المسبقة ومحاماة كل منهما عن وجهة نظره، وكيف أن المرء ينطلق من أحكام ماضوية مسبقة للحكم على الواقع والمستقبل، وتقييد النظرة إلى المستجدات بسياقات تاريخية شبه خرافية.

يبحث الكاتب في يومياته التي يوردها على شكل مشاهد وإضاءات، عن حالة يشهد فيها ولادة جديدة لبلده وشعبه، بعدما تقمص دور من شهد موته، وتاه في دوامات اليأس وأنفاق الأمل، ومن شهد نزوح الملايين من أبناء بلده من بيوتهم، وتدمير عدة مدن وتهجير أهلها، وفجيعة اللجوء السوري في العالم، والشتات الذي يعتبر كارثة إنسانية معاصرة، ويسأل إن كان هناك من سبيل لتدارك ما يمكن تداركه في بحر الدمار المتعاظم.

يشار إلى أن ديبو هو ابن مدينة "بانياس" الساحلية التي كانت شاهدة على فتك النظام بالمتظاهرين السلميين في بداية الثورة، واتهامهم بالطائفية ثم التنكيل بهم. وقد اعتقل في بداية الاحتجاجات وذاق مرارة السجن ورصد أفعال السجانين، وحاول تشريح أفكارهم والتغلغل في دواخلهم واستنطاقهم، وإبراز دورهم كضحايا وجلادين في الوقت نفسه.

المصدر : الجزيرة