حاوره: محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يعتبر الدكتور بكري خليل أستاذ الفلسفة في جامعة النيلين بالخرطوم أحد أبرز المفكرين السودانيين في الساحة السودانية والعربية وله مساهمات عديدة في الفلسفة والفكر والمعرفة، صدرت له كتب منها "المعرفة والأيديولوجيا" و"الفلسفة وإشكالات النهضة العربية" و"الوعي الذاتي وهوية السودان الثقافية" و"المنطق عند الغزالي".

له مساهمات عديدة في المؤتمرات العلمية الفلسفية والفكرية في الوطن العربي، وهو عضو الجمعية الفلسفية العربية في عمّان.

في هذا الحوار مع الجزيرة نت، يقدم الدكتور بكري خليل رؤيته لراهن الفكر العربي، يطرح موقفه من إشكالات الهوية الراهنة ويستقرئ نتاج الربيع العربي ومسيرة الوطن العربي نحو الديمقراطية.

كيف تنظر إلى الواقع العربي العام والحالة الفكرية المرتبطة به فلسفيا؟
هناك صلة موضوعية بين الفكر والواقع، إذ تتقدم أو تتأخر الفاعلية الفلسفية حسب الأوضاع التي تحيط بها، فثمة بواعث وكوابح ثقافية واجتماعية واقتصادية تؤثر في تطور المعارف عموما ومجالاتها النوعية ومنها الفلسفة. وفيما جرى تحميل الفكر في الماضي مسؤوليات لم يكن له فيها يد، وتم إجهاض العلوم العقلية بدواعي محاربة البدع وإخماد الفتن، فإن المراكز السلطوية ما تزال تقف بالمرصاد لمنابر التقدم والتجدد الفكري وأدبياته، كما ظل قائما الحجر على الفلسفة وفرصها الأكاديمية والثقافية.
 أين موقع الحرية في الخارطة الفلسفية؟
شروط ازدهار البيئة الفكرية بعد ما أصابها من انحطاط منذ القرن الخامس الهجري ترتبط بإطلاق الحريات في ميادين التعبير والنشر والبحث العلمي، ورفع السلطة السياسية يدها عن الأوعية الثقافية والتخطيط الثقافي والكف عن التوجيه الأيديولوجي للمرافق الفكرية والثقافية من أجل نموها نموا معافيا بعد عزلها من واقع التسلط والاحتكار.

 كيف السبيل إلى هذا النمو المعافى؟
مما لا شك فيه أن انكشاف البنى التعليمية أمام عوالم التسطيح والتعرية الثقافية وأساليب التلقين الترديدي والتجهيل الممنهج؛ قد ضاعف من وهن هياكل ومنظومات التعليم الأولي والجامعي وهبطت بالتالي بمستوى الثقافة والتحصيل المعرفي إلى أوضاع يصعب إصلاحها من جديد، ويمكننا قياس الهبوط الملموس في واقع مؤسسات الثقافة من معدلات الإنفاق بالنسبة إلى ما عداها، وخاصة الإعلامية والسياسية، مما انعكس سلبا على الوعي العام.

ما تشهده المنطقة العربية من متغيرات سياسية وفكرية تلقي بآثارها على الحاضر والمستقبل العربي. كيف تقرأ هذا المشهد على ضوء الربيع العربي؟
ما تشهده المنطقة أمر غير مسبوق جراء الحروب الأهلية وانفلات التطرف، مما يتهدد وحدة الأقطار الإقليمية في ظل فقدان المبادرة والتدخلات الخارجية بأغطية محاربة الإرهاب وتسويق التسويات على حساب المنطقة ومصالحها.

المعطيات الراهنة تملي على الجميع البحث عن التوافق وبناء كتلة تاريخية تتصدى لعقلية الاستئثار وإسقاطات الشمولية

هل أثر ذلك على آمال الشعوب العربية في الديمقراطية والتغيير والحرية؟
تتوارى آمال الديمقراطية والتحولات السياسية الإيجابية أمام ضرورات الاستقرار وإطفاء الحرائق الداخلية وتعزيز المناعة الذاتية، فالمعطيات الراهنة تملي على الجميع البحث عن التوافق وبناء كتلة تاريخية تتصدى لعقلية الاستئثار وإسقاطات الشمولية، ومهما تفرقت السبل بالاصطفاف التناحري في كثير من الساحات فإن السنوات الثلاث الماضية قد أثبتت استحالة التفرد، وفي نفس الوقت أكدت أهمية التوحد حول قواسم وطنية ديمقراطية.

 تشكل مشكلة الهوية حجر زاوية في تطور بناء المجتمعات العربية، إلا أن الدوائر  الاستعمارية تعمل على التفتيت الممنهج لهذه المجتمعات. كيف تنظر لذلك؟
الحديث عن مشكلات الهوية يفترض مناقشة تحليلية تمكننا من الابتعاد عن المماحكات التي تفرط إما في وثوقيتها أو نفيها أو شكها، فإن اتخذنا منظورا مبسطا عن الفهم الأنطولوجي للهوية فلا بد أن نعيها عبر الاختلاف. ففي ظل المرحلة الاستعمارية كان تحقيق الذات مدمجا في شعار التحرر وعبره كان الاستقلال هدفا عاما يوحد الشعوب في مواجهة الآخر المستعمر.

 هل ما نراه الآن من خطاب حول الهوية يمكن قراءته كمخلف من مخلفات الاستعمار؟
لقد حل خطاب الهوية محل خطاب الحرية، وانطوى على توجه مزدوج للذات والآخر، كناية عن البحث في القضايا المؤجلة والمنبعثة لاحقا. وهكذا أدى فشل استكمال المشروع الوطني التحرري والتنموي إلى أزمة الهوية الخاصة وفي إطار الصراعات الإقليمية والدولية، إذ إن هذه السمة العامة تجعل مراحل الانتقال مخاضا عسيرا في أوضاع ما بعد الاستقلال، تنبع من معاناة الهويات المأزومة في غمار مشكلات التراث والحداثة والتعايش الوطني التي لم تجد طريقا ناجزا للحلول ومن ثم قصورا في التوجه نحو تطوير الوعي الذاتي وتأسيسه تأسيسا بناءً وعصريا.

توازن التصور الذاتي للهوية والاختلاف لا بد أن يقوم على نقد الرؤى الانقلابية التي تنكر الانفتاح والمثاقفة والاتصال الحضاري والتفاعل مع واقع التنوع المحلي والعالمي
هل يطرح الجدل الدائر حول الهوية مفهوما جامعا لمعالجة مشاكلها؟
يثير الجدل الدائر حول الهوية أفكارا متباينة، يطرح بعضها تجاوز مفهوم الهوية من أساسه والقطع مع مكوناتها والخروج من إشكالياتها. وبمقدار ما في ذلك التصور من تجريد فإن المعالجات النافية ذات بدائل افتراضية محاطة بالغموض إلى جانب ارتفاع سقوفها قياسا إلى افتقار مطالب الحراك التاريخي للحداثة إلى مداميك اجتماعية من شأنها رفع هذه السقوف على ركائزها الحقيقية وأساسها الوطني، ومن جانب آخر فإن توازن التصور الذاتي للهوية والاختلاف لا بد أن يقوم على نقد الرؤى الانقلابية التي تنكر الانفتاح والمثاقفة والاتصال الحضاري والتفاعل مع واقع التنوع المحلي والعالمي.

 أين موقع الفلسفة الإسلامية في الفكر الإنساني؟
لا يزال وضع الفلسفة وإمكانياتها في العالم الإسلامي في إطار نخبوي، ولم تتحول الفلسفة إلى قوى مؤثرة في عملية التراكمات والتحولات نحو انطلاقة الفكر والعقل الإسلامي، ولكن هناك محاولات كثيرة نقدية ومراجعات تتم في اتجاه الإفادة من المناهج المعاصرة ومن كل التراث النقدي الذي بدأ مع مطلع عصر النهضة ومع الحداثة بشكل عام. وإن كان ليست هناك مدارس فلسفية تعبر عن نفسها بالكيفية التي يمكن أن تماثلها مع الحركات والمذاهب التي ظهرت في أوروبا وفي الغرب وما زالت بعيدة عن تحقيق هذه المطالب لإشكاليات متعلقة بالتطور الذاتي في الفكرالعربي الإسلامي من جهة، ومن ناحية أخرى بالطابع التراثي الاستردادي الذي يخيم على واقع الفكر والإنتاج الفلسفي حاله حال كل الأجناس الفكرية الأخرى.

المصدر : الجزيرة