"عشب الليالي".. موديانو ينبش ركام الذكريات السود
آخر تحديث: 2014/11/18 الساعة 12:09 (مكة المكرمة) الموافق 1436/1/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2014/11/18 الساعة 12:09 (مكة المكرمة) الموافق 1436/1/26 هـ

"عشب الليالي".. موديانو ينبش ركام الذكريات السود

هيثم حسين

يستعيد الفرنسي باتريك موديانو -الحائز على جائزة نوبل للآداب 2014- في روايته "عشب الليالي" صورة باريس الممزقة أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاها، وتأثيرات وتداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية فيها، وكيف أنها تحولت من مدينة للأنوار إلى مدينة للأشباح ورجال الاستخبارات الذين كانوا يقتفون أثر معارضيهم ويجمعون عنهم كل التفاصيل، ومن ثم يسعون للإجهاز عليهم وتصفيتهم.

يبني موديانو روايته -نشرتها ضفاف والاختلاف بترجمة توفيق سخان 2014- على افتراض أن راويه العجوز يحاول تذكر أجواء باريس التي كانت خارجة منهكة من الحرب وتحاول إعادة ترتيب نفسها. تكون وسيلته للعودة إلى الماضي رغبته في إعادة اكتشاف نفسه والمحيطين به، لأن الزمن الفاصل بين المرحلتين يكون مرآة تظهر ما استعصى على الفهم حينها، وتكشف الدوافع التي أدت إلى كثير من الممارسات والأفعال.

الراوي جون مثقف باريسي مسن، يحاول استجماع ذاكرته لتدوين بعض المحطات والمفارقات التي مر بها في حياته، فيتذكر حين كان برفقة صديقته داني التي كانت تستخدم كثيرا من الأسماء المستعارة، وذلك في إشارة إلى عملها السري، واقتفاء المباحث لها ولأصدقائها الآخرين، ممن يشير إلى أنهم كانوا على علاقات مع جهات خارجية.

ثقوب الذاكرة
الذكريات تعد زاد الزمن الذي تعتاش عليه ذاكرة الراوي، يستعين بها لتكون دفأه في سني عمره الأخيرة. ينبش في جسد الماضي، يحاول استخراج العبر، يبحث عن فك ألغاز مستعصية، يرنو إلى اكتشاف أسرار أودت بحياة بعض أصدقائه ومعارفه، وتقوده المصادفات إلى واحد ممن كان يقتفي أثرهم ويراقبهم عن بعد، ويجد أن ذاك المخبر السري يكشف له هويته بعد مضي عقود على مهمته السابقة، ويحدثه عن بعض الخفايا والأسرار، ويسلمه ملفا عنه وعن علاقاته وأصدقائه في زمنه السابق.

موديانو يقول إن الأماكن تفقد ألقها أثناء الحرب، حيث الشوارع الباريسية تخلو من المارة والزوار، والمقاهي تخلو من مرتاديها والأسواق من زبائنها، وتفقد المعالم المشهورة تميزها

يقول موديانو إن الأماكن تفقد ألقها أثناء الحرب، حيث الشوارع الباريسية تخلو من المارة والزوار، والمقاهي تخلو من مرتاديها، والأسواق من زبائنها، وتفقد المعالم المشهورة تميزها وفرادتها تحت وطأة العنف وشراسة الاستعداء اللاحق، إذ تمتلئ شوارع المدينة بالمخبرين السريين، وتستعر حرب خفية في العتمة، وتكون الذكريات التالية "عشب الليالي" أو خزانة الزمن البعيد.

يتخيل الراوي أنه عاش أكثر من حياة، تراه يخلط بين الأزمنة والأمكنة، يحار بين بحثه عن محبوبته التي فقد أثرها، ولقائه المفترض بعد عقود بها، والحالة المزرية التي كانت عليها بعد سجن طويل. ويعكس من خلال ذلك تصاريف الأقدار وبؤس المصائر.

ويعتقد بطل الرواية أن الذاكرة مليئة بالثقوب السوداء كالمدينة نفسها، وكشخصياتها ومعالمها أيضا، ويأتي دور التذكر للتغلغل من خلال تلك الثقوب إلى الماضي، ومحاولة استلهام العبر منه، وتنظيف أحداثه ووقائعه للحؤول دون الوقوع في براثن إشكالات مستقبلية مشابهة. ويصف كيف أن الماضي يصبح مقصلة للأحلام، ويحمل في ثناياه بذور تعكير الحاضر والمستقبل نفسه.

يؤكد جون لنفسه أن ما كان يراوده لم يكن حلما، فيمارس نوعا من التنقيب في الذاكرة، والنبش في ركام الذكريات، يقوم بتحريضها، ويصور دورها في تصفية الزمن وغربلته، ونزع الأشواك المؤلمة من أحداثه، بحيث يبدو أن الصراع يدور بين العشب والشوك، والعتمة والنور، والحب والكره، وأوجه النقائض والمفارقات المتنامية على هامش تصاعد العداء بين الإخوة في مدينة ضاقت بهم وضيّقت عليهم.

الذاكرة والمستقبل
يشدد موديانو على دور الذاكرة في حماية الإرث ويسعى إلى تنشيطها، ويؤكد على ضرورة اللجوء إليها وإن كان ذلك عبر أحداث متخيلة، لأن المضي إلى المستقبل من دون ذاكرة يحمل الكثير من المخاطر، وقد يؤدي بصاحبه إلى مزالق عديدة، فهو يفتقد الدروس والعبر ويفتقر إليها، ويكون تركيزه على ما يصفه بطله بالمذكرة السوداء، تلك التي تتبدى كأنها مفكرته الزمنية الحافظة للدقائق والتفاصيل.

موديانو يُشدد على دور الذاكرة في حماية الإرث ويسعى إلى تنشيطها، ويؤكد على ضرورة اللجوء إليها وإن كان ذلك عبر أحداث متخيلة، لأن المضي إلى المستقبل دون ذاكرة يحمل الكثير من المخاطر

يبحث الراوي عن دفتره المفقود منذ عقود، يحاول استعادة التفاصيل التي كان قد دونها فيه، والأجواء المصاحبة المشحونة بالتوتر والانتظار والترقب ليكتب روايته المنشودة، بحيث إن بناء الرواية يكتمل من خلال تذكر تفاصيل صغيرة تفتقر إلى التسلسل المنطقي أحيانا، وتبدو كأنها لملمة لشتات الذاكرة، واقتفاء للشخصيات، واستعراض للأدوار والمواقف والآراء.

لعل رسالة "داني" الأخيرة إلى "جون" تختصر رسالة الكاتب، وهي الدعوة إلى التهدئة وعدم القلق بشأن ما حدث ويحدث، واحتمال الهروب إلى المستقبل. تصف له مشهدا يجمع بين اليأس والأمل معا، تخبره أن عليه أن يختبئ في مكان ما، وأنها ستتمكن في الأخير من إيجاد الطريق إليه.

يبرز موديانو سذاجة التعويل على الأكاذيب، وسطحية الساعين إلى فرض النسيان والتناسي، فلا جدوى للخصام مع الماضي، كما يبحث عن دروب تضيء عتمات الذاكرة وتساهم في تنمية "عشب الليالي" ولا تلوّثه بالمنغصات والأكاذيب. ويتذكر أن اللائحة السوداء كانت إحدى سبل الضغط على المعارضين والمختلفين، وكانت اليوميات عبارة عن سلسلة من أحداث ومآسٍ لا تنتهي.

يحضر لدى موديانو حديث مضمر عن مأزق الهوية في ظل الاحتراب والاقتتال، وذلك من خلال الارتياب المتعاظم بين البطل وصديقته التي تتكتم على هويتها، ثم تختفي بغتة، لتظهر بعد سنوات، وتعترف له بأنها كانت مسجونة، ويظهر تأثير السجن عليها بحيث يبلور لها هوية جديدة، تكون مثار ارتياب بدورها، لما تنهض عليه من عناصر الضغينة والثأر والإقصاء.

المصدر : الجزيرة

التعليقات