إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

تعرف جلّ المدن المغربية حاليا التظاهرة الفنية الوطنية التي تسمى "ليلة الأروقة". وضمن هذه الاحتفالية تحتضن دار السلطان بأسفي وسط المغرب معرضا مزدوجا للفنانين التشكيليين محمد البركمي وفتيحة بولمان.

وتسعى هذه التظاهرة -حسب وزارة الثقافة الجهة المنظمة- إلى تيسير التواصل والتقارب بين الفنانين من مختلف الأجيال، والاحتفاء بالإبداع التشكيلي بكل مذاهبه ومدارسه وأساليبه.

كما تهدف إلى الإسهام في نشر ثقافة فنية والتعريف بجمالية الإبداع التشكيلي في أوساط الجمهور المغربي بمختلف شرائحه العمرية. وتتيح "ليلة الأروقة" أيضا فرصة أمام فضاءات المعارض للتعريف بإنتاجات وإبداعات الفنانين التشكيليين، سواء الرواد المكرسون أو المواهب الشابة.

وفي هذا الإطار، تحتضن دار السلطان بأسفي وسط المغرب معرضا مزدوجا بين تجربتين مختلفتين ومتميزتين، على المستوى الفني، من حيث كونهما ينتميان إلى مرجعيتين متباينتين، وعلى المستوى الاجتماعيّ من حيث كونهما زوجين يعيشان في حضن بيت واحد، تجمع بينهما الحياة والرّباط المقدّس.

ويتعلق الأمر بالفنانين التشكيليين محمد البركمي وزوجته فتيحة بولمان اللذين وضعا تجربتيهما الجديدتين رهن إشارة الزوّار من كل الأجيال والمستويات إلى غاية نهاية الشهر الجاري.

جانب من الحضور الذي حج إلى دار السلطان لمشاهدة حفل افتتاح المعرض (الجزيرة نت)

أغوار المحيطات
واكتظ فضاء دار السّلطان الأثريّ بمدينة أسفي بالزّوار الذين حجّوا لمعاينة تجربتين متعايشتين، وتمثل التّجربة الأولى لوحات الفنانة فتيحة بولمان التي تسافر في أغور المحيطات مجاورة أسراب الأسماك والكائنات البحرية التي اختارتها موضوعا لتجربتها، حيث تصبح اللوحة التشكيلية فضاء بديلا لفضاء السفر البحري، ومعرضا لتراصف عشرات الأسماك التي تنطبع أو تلتصق على سطح اللوحة بأسلوب جمالي وهندسي بديع، يمنح حركتها إيقاعا متفاعلا مع دوامات المياه الدائرية حينما يهيمن اللون الأزرق على فضاء اللوحة، أو في توزيع فوضوي للأسماك في مناح متباينة، لما يسيطر اللون الترابي على فضاء اللوحات.

وتتجلى هذه الأسماك في مظاهر شتى، مرسومة أو مقطوعة من ورق الجرائد والمجلات أو غير ذلك من المصادر، متخذة ألوانا متعددة لا تذعن للألوان الفعلية للسمك كما هي في الطبيعة الحقيقية، بل تعطي اللوحات إيقاعات متماوجة، وحماسية تنعم بالحياة، مما يجعلها ترشح بالمعاني المتدفقة، وتسمو إلى قمة النغم الصامت، لتعطي الروح انطباعا للرائي بكونها سيمفونية غنائية او قصيدة شعرية.

يشكل فضاء اللوحة، لفتيحة بولمان، فضاء صداميا، تتفاعل فيه التجارب، وتتنوع فيه الأدوات والخيارات الفنية الموظفة، حيث تجرب الفنانة أسلوب الرسم، وبالموازاة تستعين بالقطع واللصق، والمزج بين السند الوثائقي المرجعي الذي يصبح أحيانا خلفية أو حاملا للاشتغال، والورشة الصباغية التي تعمل على منح اللوحة إيقاعا مختلفا، يزيل الفوارق، ويذيب الفجوات بين المكونات التي تتشيد عليها اللوحات.

محمد بركمي يستعيد الطفولة كمجال خصب للهرب من جحيم الحاضر (الجزيرة نت)

ذاكرة الطفولة
من جهته، ينحاز الفنان محمد البركمي إلى الطريق السالك نحو السهل الممتنع في محاكاة مموهة لرسوم الأطفال، إذ يفتح أحضان لوحته على انطباعية طفلية في معالجة القضايا الإنسانية، مبئرا رؤيته على الرموز والعلامات الفطرية التي تتكرر في المناشط الطفولية مثل الصليب والسهم والمثلث والمربع والدائرة وأنصافها والنبتة.

وعبر الفنان البركمي في معرض شرحه لخصوصية التجربة التي يعرضها أمام الزوار والإعلاميين، عن السعادة التي تغمره وهو يخاتل تجربة طفولته وطفولات الآخرين التي يستند إليها في استمداد مادته وأسئلته وقضاياه.

وأشار إلى أنه يستعيد هذه المرحلة العمرية كمجال خصب للهرب من جحيم الحاضر وأسئلة اللحظة العمرية، بقدر ما تعد هذه المرحلة الطفلية بسيطة، فهي بالنسبة إليه صعبة التناول خاصة في المجال الفني، لأنك تسترجع بشكل واع، أشياء من لحظة لا واعية، تستند إلى الفطرة والبراءة.

إن الهرب إلى الطفولة من خلال التجربة التشكيلية ليس عملا اعتباطيا، ففيه من نقد الواقع الشيء الكثير، ذلك أن الذات ترى في الزمن الحاضر لحظة ملتهبة وقاهرة، فتختلق لذاتها فنيّا، ملاذا خصيبا، ولو من باب الاستيهام والتخييل الخلاقين.

اتسقت التجربتان، وتفاعلتا على جنبات الفضاء التاريخيّ الحبل برائحة التاريخ التليد، لتؤديا، تحت أضواء مشاعل خافتة، دلالات العمق البشريّ، يذكي إيقاعات نبشها في الوجدان، تموّج الموسيقى التي تتسلل إلى الباحات والرّدهات، فتشتعل في الزّائر لواعج طفولة لم يعشها قط، وتزدهي فيه مشاعر وجدانية تحرضه على الهرب إلى فسحة بحرية عميقة، ولو من خلال عتبة المنجزات المعلقة قبالته في أحضان دار السلطان.

المصدر : الجزيرة