توفيق عابد-عمّان

حنان بيروتي قاصة طوعت اللغة واستطاعت -عقب إصدار سبع مجموعات قصصية آخرها "أحلام متأخرة"- أن تثبت اسمها بين فرسان القصة القصيرة، حيث ينظر لها كثير من الناقدين على أنها قناصة تصطاد المعنى برومانسية تجذب القارئ بلغة سهلة ومتينة.

فالقصة بالنسبة لبيروتي نسيج من روح الكاتب تنبض بإحساسه ورؤاه، وتضيئه من الداخل مثل ما يضيئها، لأنّه يرصد الشخصيات ويتناولها بقنديل فكره وعاطفته وما يلتقطه من صور الحياة المتتابعة مثل ومضة. والقصة من وجهة نظرها تشبّث بالحياة ومحاكاة لها وليست تسجيلا ليومياته، لكنها تعكس -كمرآة أو كاميرا متلصصة- صورته الحقيقية من الداخل.

والملاحظ أن شخصيات قصصها مأزومة مجروحة لكنها تقاوم وتبحث عن ضوء وتجنّح حياتها بحلم التغيير والحياة التي نستحقها جميعا، فلا تيأس ولا تكف عن قرع باب الحياة والحلم لكنها تبكي وتتوجع وتنزف ولا تتنازل عن حلمها وتوقها للخلاص كي لا تعيش موتها على قيد الحياة.

بعض إصدارات القاصة حنان بيروتي (الجزيرة)

علاقة تصالحية
المتابع لمضمون نتاج حنان بيروتي الإبداعي يكتشف أنها ليست مسكونة بنون النسوة، وحين تكتب تكون إنسانة دون مسميات أو نية مبيتة لاختزال وجودها وكينونتها بأنوثة هي جزء لا كل، ولا تسعى لحصر كلماتها في المرأة ولا تسمح لنسائها بالانقياد الأعمى للتخندق ضد الرجل.. "فالعلاقة تصالحية معه ونحن شركاء في الحياة يكمل بعضنا الآخر".

الشخصية في قصصها هي من يوجهها، فحين تكون امرأة مجروحة وتصور نزفها، وحين تكون الشخصية رجلا تسعى للمس مواجعه الخرساء غالبا.. المرأة تشكو وتبكي والرجل صامت لكن صمته لا يعني أنه لا يعاني، فلكلٍّ جراحه وقيوده التي تحفر في روحه كما أنها لا تميل للتعميم فليس في تصنيف الحياة من هو ظالم أو مظلوم فقط، ولكن لا يخفى أن الظلم يستسهل الالتصاق بالمرأة في ظل المنظومة القيمية السائدة.

شرفة حلم 
ولكن عما تبحث في مشوارها الإبداعي؟ هنا تجيب حنان بيروتي أنها تبحث عن شرفة للحلم وباب للخلاص وسط الانحسار المؤلم والمخزي لفكرة الاهتمام بالثقافة باعتبارها من الأولويات، وما ينجر عنها من تجميد المشاريع التي تهتم بالمثقفين وتأخذ بيدهم، وتضيّق على منابر النشر بحجة قلة الموارد.

غلاف كتاب "لمن أهدي أزاهير العيد" (الجزيرة)

القاصة إذن تبحث عن "(حنان) الغافية داخلي.. ترقبني وترقب ما حولي وما يمور فيّ وتنتظر أن أفسح لها باب البوح وأتركها تبكي وتصرخ وتتنفس بالكلمات كي تتذوق الحياة بالكتابة".

وتضيف البيروتي "أبحث أيضا عن زاوية بعيدة عن ضجيج وزخم الحياة لأرسم وأغني وأرقص وأتنفس حقيقتي، ضعفي وألمي وبكائي المحتبس وفرحي المخنوق، فأنا مقصرة مع "حنان" داخلي التي كثيرا ما ذبلت براعم بوحها على غصن الانتظار، وضاعت الكلمات منها مع بخل الحياة بلحظات الصفاء، وكثيرا ما تعاتبني لكنها تعلمتْ مثلي ألاّ تكف عن الانتظار لأنه شكل للحلم، والأحلام حياة موازية أجمل من الحياة ذاتها".

بشارة ووجع
تجمع حنان بيروتي في قصصها البشارة والوجع وسحابة من الحلم.. بشارة التغيير من وجهة نظرها لأنها حقيقة آتية وإن تأخرت، تخبرنا كيف نلمس الحياة بشغف يليق بها وبنا، أن نتشبّث بلحظة الفرح ونتذوقها ونتنفسها دون خوف، أن نركل الوجع متشبّثين بأحلامنا وفرحنا المشروع.. فالفرح -كما تقول- ليس خيانة في زمن الوجع بل هو رئة الروح كي تواصل اقتراف الحياة.

أما الحلم فهو جناح ونافذة ومتنفس.. الوجع لحظات ومحطات لا بد منها، والفرح استثناء مدهش مثل مطر بهي.. مثل كف حبيب يلوح بقبلة مسروقة.. حلو مثل ضحكة صادقة متفجرة من أعماق قاحلة لكنها لا تكف عن حلم المطر.

غلاف المجموعة القصصية "أحلام متأخرة" (الجزيرة)

المبدع والشهرة
ولكن هل صمدت حنان بيروتي أمام مغريات الشهرة؟

هنا ترى أن المبدع يتجنب إغواء الأضواء لأنّها مسعورة وتنهش مصداقيته وتشتت مشروعه الإبداعي.. الأضواء لا تليق بمبدع الكلمة.. وتقول "أنظر للشّهرة بعين الرضا حين تعني الوصول والانتشار.. وصول نبض كلماتي وصوتي.. وأتجنب التفكير بها أو السعي إليها لأنها فخ لا يليق بالمبدع الحقيقي وهي ليست هدفا ومسعى بحد ذاتها.. الأدب ليس فنا جماهيريا كالغناء ولا ينبغي له أن يكون نخبويا كذلك.. وهذه معادلة صعبة".

ويلمس من يقرأ مجموعة حنان بيروتي الأخيرة "أحلام متأخرة" وجود صوت كامن وحلم مؤجل.. وهنا تعترف حنان بيروتي أنها تعبّر عن أحلامها التي تأخرت وظلت حبيسة درج مكتبها لأكثر من عشرين عاما. فالقصص التي كتبتها بغزارة وهي على مقاعد الجامعة الأردنية استلت بعضها -دون معيار ثابت- لمجموعتها القصصية الأولى "الإشارة حمراء دائما!".

يُذكر أن حنان بيروتي فازت بسبع جوائز هي جائزة ناجي نعمان الأدبية العالمية في بيروت، ومحمد طملية لأفضل مقالة صحفية بالأردن، ونازك الملائكة بالعراق عن قصتها "نقطة الصفر"، ومهرجان البجراوية للإبداع النسائي العربي الأول بالسودان، وعماد قطري المصرية، ودار جان للنشر في ألمانيا عن قصتها "ليت للبحر لسانا يحكي".

المصدر : الجزيرة