أمير العمري*

المركزية الثقافية الأوروبية جعلت المثقفين الأوروبيين في معظمهم لا يتطلعون إلى الشعوب العربية، في مصر والمغرب وتونس والعراق وغيرها، سوى من خلال ما هو مستقر في ضمائرهم وعقولهم عن ذلك الشرق "المبهر، الغريب، بأزياء رجاله الذين يركبون الجمال والخيول والحمير، ونسائه اللاتي يرتدين الملابس المزركشة الفضفاضة ويضعن النقاب على وجوههن، والشباب بأصواتهم المرتفعة في الشوارع، والأسواق المكتظة بالبشر والتي لا تتوقف فيها المضاربة والمزايدة وترتفع أصوات البائعين وجلبة المشترين، ومحاولات البائع أن يغلب المشتري ويخدعه، بينما يحاول المشتري أن يحصل على أكبر تخفيض ممكن في ثمن السلعة".

إنها باختصار، أجواء ألف ليلة وليلة، التي لا تزال رغم مرور مئات السنين على صدورها، المرجع الأول والأساسي في نظرة الغربيين عموما، للشرق العربي وسكانه.

من الممكن للغربي أن يتقبل صورة أخرى "حديثة" عن العالم العربي وعن الإنسان العربي في الشوارع والأسواق والقرى والصحراء العربية، وأن يرحب بالأفلام العربية إذا كانت تقدم له صورا وأنماطا مما هو مستقر فعليا في وعيه طبقا لما رسخته النزعة المركزية الثقافية الأوروبية عن صورة ذلك الشرق وحفرته داخل وعيه، أي إذا كانت تلك الصور التي يستقبلها تحتوي قدرا بارزا من الفولكلور الشعبي: الطقوس والعادات والتقاليد العتيقة، صور الحواري والأزقة الضيقة والبيوت المتلاصقة التي تتلصص من خلال ثقوبها النساء على ما يجري في الخارج، والأسطح المتجاورة التي يتخيل المشاهد الغربي كيف يقفز فوقها "جُحا" منتقلا من سطح إلى آخر إلى أن يهبط ليفر من مطاردة الخُفراء والحراس.

تحت الطلب
والمؤسف أن الكثير من مخرجي الأفلام القصيرة والطويلة والوثائقية من السينمائيين العرب، يختار طواعية أن يخاطب الآخر الغربي، من خلال نفس القوالب المستقرة التي يعرفها ولا يبدو أنه يريد أن يعرف غيرها، فتجد الكثير من الأفلام التي نجحت في الوصول إلى مهرجانات السينما في الغرب، ومن ثم للعرض على شاشات القنوات التلفزيونية في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وغيرها، نتيجة استجابة مخرجيها لما يدركون ولو على مستوى غير مباشر، أنه مطلوب تقديمه منهم، أي عن طريق اصطناع تلك الصور النمطية للعربي الجشع، سريع الانفعال، الذي يكمن وراء الأكمة في الليل، يتربص بشخص آخر لكي يقتله ويسرقه أو يغتصب نساءه.

الموزع السينمائي الغربي لا يمكنه أصلا أن يتفهم كيف يمكن للسينمائي العربي أن يعالج موضوعا فلسفيا أو فكريا أو سياسيا في سياق فني حديث، فهو يعتقد أن هذه المواضيع لا تشغل سوى بال العقل الأوروبي

وعندما يحاول السينمائي العربي تقديم وجه إيجابي، تراه يستخدم الكاميرا في المرور على المنمنمات والجداريات العتيقة والنقوش العربية، أو يتوقف أمام تقاليد الصحراء وحياة البدو، بمعزل تام عن الموضوع وكأنه يجعل من هذه "الأجواء الغريبة" مثالا على نمط الحياة الحقيقية اليوم، حتى يبدو لمن يشاهد هذه الأفلام أن الشعوب العربية ما زالت تعيش خارج العصر والتاريخ.

وإذا أراد المخرج أن يبدو عصريا نراه يركز على ما هو معروف من "مظاهر التخلف" لبيعها معلبة وجاهزة في شرائط الأفلام التي يصنعها للغرب، كأن يغالي في تصوير ختان الفتيات أو تزويج الصغيرات، وممارسة السحر والشعوذة وطرد الأرواح الشريرة وحفلات الزار وحلقات الذكر والموالد الشعبية... إلخ، والتوقف أمامها كأنما أصبحت "الغرابة" موضوعا ومادة مكتملة في حد ذاتها، دون تفسير أو شروح لمغزاها وسر وجودها إذا كانت لا تزال موجودة.

هناك طرف أول هو الموزع السينمائي الغربي لا يمكنه أصلا أن يتفهم كيف يمكن للسينمائي العربي أن يعالج مثلا موضوعا فلسفيا أو فكريا أو سياسيا في سياق فني حديث، فمثل هذه المواضيع المعقدة يعتقد أنها مما يشغل بال العقل الأوروبي فقط، أما العقل الشرقي أو العربي فمطلوب منه تقديم الغريب والمختلف و"الإكزوتي" exotic طبقا لمفاهيم رسختها المركزية الثقافية الأوروبية وأصبحت تحكم نظرة المثقف الأوروبي للآخر، وتنتظر منه أن يأتي بالضبط، بما تتوقعه وتنتظره.

وهناك الطرف الثاني، وهو السينمائي العربي الذي يعرف ما يراد وينتظر منه من الغرب، يرحب بصنعه وتقديمه بل ويغالي كثيرا في تصويره وتبرير وجوده حتى أنك تتخيل أحيانا وأنت تشاهد بعض الأفلام العربية، أن الإنسان في العالم العربي يعيش رحلة ممتدة في الزمن داخل الفولكلور، وأننا خرجنا تماما من التاريخ.

وربما يجادل البعض هنا بالقول: ماذا.. ألم يستقل العرب من التاريخ منذ زمن بعيد؟ وهو بالطبع موضوع آخر.
_______________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة