محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

من منصة التاريخ ينطلق الروائي سيف الدين حسن بابكر في روايته "رجل من زمن منعكس" التي صدرت أخيرا عن الدار المصرية للنشر والتوزيع، إذ يجمع في عوالمه المتخيلة والمنعكسة سرديا كل مراحل تاريخ السودان القديم والعالم بأزمنته المتعددة اليونانية والأوروبية والأفريقية، راسما عوالم الخوف والعنت والظلم التي عاشها الإنسان على هذه الأرض.

ويرتبط راوي التاريخ في هذه الرواية بتجليات سردية مختلفة، وتتطور حركة التاريخ بأزمنته المنعكسة بأشكال مسبقة تنير طريق السارد والقارئ، وفي هذا النص ثمة استدعاء لتاريخ سوداني حضاري في خطاب ثنائي الثقافة بين عقل يوناني قديم وعقل "نوبي" كانت له صلاته وتموقعه حضاريا، وعقل "غربي أوروبي" ذهب بعيدا في التطور، وعقل "سوداني" يعيش في مهاد الاستعمار بزاوية انكسار لا تمكنه من استصحاب عقله القديم.

يستحضر الحكي داخل هذه الرواية بنية خطابية في نسق غرائبي غير مسبوق في كتابة الرواية التاريخية، ويموقع السارد ذاته داخل النص حاملا على عاتقه حركة كل الشخوص الذين لا تكاد ملامحهم تنجلي مع نمط من الموضوعية وتقارب في الخطاب السردي وانفتاح على كل التأويلات:

"قبل أن أقوم بإغلاق الكتاب طالعت الكيفية التي قتل بها محمد نوباوي الشيخ شاكر الريس مفتي السودان وعندما حاولوا ثنيه عن قتل الفقيه رد قائلا: داير أفش غبينتي"

"إن أتلانتا -جدتي- يوم أن استشارت أبولو كان هو من تنبأ لها بما آلت إليه يوم أن قال لها بأنها ستتحول إلى كائن آخر". ثم، "قبل أن أقوم بإغلاق الكتاب طالعت الكيفية التي قتل بها محمد نوباوي الشيخ شاكر الريس مفتي السودان وعندما حاولوا ثنيه عن قتل الفقيه رد قائلا: داير أفش غبينتي، ثم أعمل حربته التي قتل بها غردون بجسمه فلم تبق على حياته..".

تاريخ الدولة المهدية يمثل خطابا داخليا مختلفا بتأويلات قراءته، إذ إن البطل (السارد-الكاتب) يعيد قراءة التاريخ سرديا وفق قراءة التاريخ المحكي ويقوم بإعادته روائيا كجزء لا يتجزأ من التاريخ الروائي.

والحكي الاستعادي في هذه الرواية يشمل تواريخ قديمة وأساطير يونانية ونوبية وخبايا حكايا صغيرة لم يعالجها أحد سرديا، إذ إن خط العودة "منعكس" وخط التنوع في كتابة التاريخ يتجاوران وينسقان السرد بكل تموجاته ومساراته، وهذه الرحلة قد تكون سيرة الكاتب أو الوطن أو العالم.

يقول المؤلف سيف الدين حسن بابكر للجزيرة نت "إن جهد الصياغة والتذكر ليس بالأمر الميسور لمن يريد أن يجسر المسافة بين الزمان والمكان، فكتابة الأنا هي إنشاء لذات جديدة، ويرتبط هذا الإنشاء بين ماض من الزمان وماثل وآت". ويضيف أنه في زمان مضى تعرضت الأنا للارتحال وأضحت مثار تشكيك في انتمائها القومي والآن تعيش في ظل ثقافة أخرى سلبتها أو كادت أن تسلبها هويتها حتى صارت تتكلم بلغتها وتكتب بها، وتفشل لتلعب دور جسر للتواصل بين حضارتين، إن السعي للتقويم فرض على المؤلف أن يكون السرد في كثير من الأحيان مرجعيا.

يستخدم الراوي الجنس كتيمة دائمة لعلاقات دائمة أو عابرة، مع وصف حسي دقيق في توظيف سردي لحياة مفعمة بالحيوية والتواصل بين الأجناس عبر لغة الجسد، في إعادة دائرية لحركة مصطفى سعيد في رواية "موسم الهجرة للشمال" للطيب صالح، بزاوية نظر أخرى تجوب كل قارات العالم.

التاريخ والحاضر
وينجرف الكاتب في كتابة لغة الجسد بزاوية لقاء الحضارات، فالبداية صريحة وصادمة وماكرة مع مقدرة على تقييد الزمن القديم في أزمنة سردية جديدة، ويتمثل السارد في لغته المحكي من التاريخ والحاضر الماثل والغياب عن الواقع بحثا عن مستقبل يربطه بأرضه القديمة أرض الحضارات.

وفي هذه الرواية كان البطل هو الموضوع، إذ تظهر الشخصيات وتختفي على مسرح السرد في حركة دائرية سردية، ظللتها العلاقات العابرة للبطل المفرد وهو يمضي في طريقه لا يلوي على شيء سوى مضمون الفكرة الجامعة التي يرسمها الراوي في لقاء الحضارات واختلافها وصراعاتها، مع انكسارات الأرض أو المأوى أو الوطن بفعل التخلف وظهور أفكار لا سيقان لها على الأرض.

عامر محمد أحمد:
لعلّ صدام الحضارات سرديا يمثل خطاب هذه الرواية مع إشارة إلى ما كنا عليه في عهد حضارة "مروي"، وما مررنا به من صدمات وتخلف وتاريخ طارئ لم ينتم لأرض الحضارات بلاد السودان

يقول الناقد الدكتور عز الدين ميرغني إن الكاتب استخدم في هذه الرواية ضمير المتكلم كراوٍ للأحداث، وقد أتاح له ذلك الحرية الكاملة في التجول في كل الأزمنة والأمكنة والثقافات الماضية والحاضرة التي يريد الكاتب توظيفها لتوصيل فكرته ورسالته. ويضيف أن استخدام ضمير الأنا يمثل الشخصية الثانية للكاتب سرديا ومعرفيا.

ويلاحظ ميرغني أنه من جانب السرد كانت الرواية متوازنة وكان حبل السرد قويا لم ينقطع أبدا، ومن جانب المعرفة فهو نص مثقف وذو معرفة ودراية بكل الأماكن والأزمنة الحاضرة والماضية التي غطاها فضاء الرواية، ويشير ميرغني إلى أن الكاتب استفاد فيما يريد أن يقوله بالرجوع للتاريخ والتجول في الجغرافيا دون أن يجعلها رواية تاريخية كلاسيكية أو رواية واقعية مسطحة.

في حين يذهب الناقد عامر محمد أحمد إلى أن هذه الرواية لها انعكاس على حركة الرواية السودانية لما تضمنته من أفكار جديدة، ويقول لعلّ صدام الحضارات سرديا يمثل خطاب هذه الرواية مع إشارة إلى ما كنا عليه في عهد حضارة "مروي"، وما مررنا به من صدمات وتخلف وتاريخ طارئ لم ينتم لأرض الحضارات بلاد السودان. ويشير عامر إلى أن الذاكرة السردية في هذا النص كانت مفعمة بالاقتباسات والتاريخ والفلسفة، ويختم عامر "هذا نص مثقف جدا". 

يشار إلى أن سيف الدين حسن بابكر فضلا عن قدرته الروائية هو شاعر وتشكيلي ومعماري، وصدرت له من قبل روايتان "الزمن الفضائي المعوج" عام 2001 من سوريا و"ملكة الشمس والجان" عام 2006 من الأردن.

المصدر : الجزيرة