الصحبي العلاني

عندما بلغ الرسام وكاتب السيناريو مات غرينينغ المولود سنة 1954 بمدينة بورتلاند الأميركية الـ31 من عمره لم يكن يتصور أنه سيؤلف أسرة جديدة غير أسرته، وسيعيش مع عائلة أخرى غير عائلته، وسيعود إلى منزل آخر غير منزله.

ومع ذلك، فقد طلق السائد والمألوف وأسس عائلة سماها "عائلة السمبسنز" (The Simpsons).. عائلة من كرتون وحبر وورق، ظهرت على شاشة التلفاز أول مرة سنة 1989 وسرعان ما ملأت الدنيا وشغلت الناس لا في أميركا وحدها، بل في سائر بلدان العالم.

في عامنا هذا، يحتفي غرينينغ بعيد ميلاده الستين، وتحتفل عائلته الكرتونية بعيد ميلادها الـ25 وسط صخب لا ينتهي تتداخل فيه ضحكات الإعجاب وصرخات الاستهجان.

مات غرينينغ ابتكر عائلة كرتونية صمدت في التلفزيونات الأميركية 25 سنة (غيتي)

أرانب، غير أنهم بشر!
لم ينتظر غرينينغ كرتون "السمبسنز" ليثير الفضول ويحدث الضجة، بل إن شهرته سبقت العائلة التي ابتدعها.

ففي عام 1977 -وهو ابن 23 سنة- أصدر على نفقته الخاصة مجلة "الحياة في الجحيم" (The life in Hell)، وهي أسبوعية هزلية طريفة في شكلها وفي مضمونها.

أما الشكل فقد كان بعيدا عن البهرج والألوان، اقتصر فيه صاحبه على رسوم بالأبيض والأسود، خطتها فرشاة حرة لا يهمها أن تحاكي الواقع وأن تنقله كما هو لأن جوهر رسالتها يتلخص في النقد عبر الإيحاء والهزل.

وفي تناسب مع هذا التوجه كانت الشخصيات المحورية في المجلة شخصيات حيوانية (أرانب) تحكي عن واقع الإنسان على لسان الحيوان. 

أما المضمون فقد كان -بمعايير أواخر السبعينيات- مستفزا لأن الأرانب البطلة ليست بالوداعة التي نظن ولا بالبراءة التي نعتقد، فهي ترتع بين شخصيات ذات ملامح بشرية تعيش حياة مثلية جنسية غامضة وتبطن أزمة ذاتية وجودية، وقلقا صميما، واغترابا عن مجتمع يرفضها وترفضه.

في مدينة مثل مدينة "لوس أنجلوس" -مهد مجلة "الحياة في الجحيم"- لم يكن من الممكن أن تمر صورة واحدة مرور الكرام، فعالم النشر الورقي وعالم الميديا الآخذة أسهمه في التصاعد مليئان بـ"الذئاب" التي تترصد لتقتنص الفرص وتنقض عليها! فما بالك لو كانت الفريسة حيوانات أليفة تعيش في وسط بشري يخترق المألوف ويثير الجدل؟!

في عام 1986، وبعد أن رتعت الأرانب في "جحيمها" الهزلي الحائر المحير تسع سنوات كاملة، تلقى غرينينغ اتصالا من المنتج التلفزيوني جيمس لورنس بروكس (James Lawrence Brooks) مقترحا عليه تحويل مغامرات الأرانب إلى الشاشة الصغيرة وبثها ضمن البرنامج التلفزيوني الشهير آنذاك "حفلة تراسي أولمين الساهرة" (The Tracey Ullman Show).

بين بروكس -المنتج التلفزيوني المتسلح بقوة الميديا الجديدة التي تريد تحويل وجهة الجمهور والاستئثار به- وبين غرينينغ -الرسام الناشر المكتفي بأوراقه وفرشاته- تعينت ملامح معركة غير متكافئة.

كان على غرينينغ أن يختار: إما أن يتمسك بحقوق تأليف "جحيمه" وأن يواصل رسم أرانبه مكتفيا بترويج حكاياتها على قارعة الطريق، أو أن يتخلى تماما ونهائيا عن تلك الحقوق لفائدة قناة "فوكس" التلفزيونية، بما يعنيه ذلك من تقييد لحرية خياله وفرشاته، وبين الخيارين المرين نبعت فكرة عائلة "السمبسنز" وكانت الخيار الأكثر حلاوة، على غير ما توقع الجميع.

هومير هو أحد أبطال المسلسل الكرتوني الذي اشتهر بنقد ساخر للحياة الأميركية (أسوشيتد برس)

من حياة الجحيم إلى ربيع المدينة
من خلال ابتكاره كرتون "السمبسنز" ضرب غرينينغ أكثر من عصفور بحجر، فقد استطاع أن يحتفظ لنفسه بحقوق مجلة "الجحيم" التي ظلت تصدر حتى سنة 2012، كما استطاع أن يفرض ذاته في عالم الميديا الجديدة لا بصفته رساما وكاتب سيناريو فقط بل بصفته منتجا، أي "ذئبا" بين "الذئاب".

والأهم من هذا وذاك أنه نجح في رفع سقف الحرية على نحو لم يبلغه آخرون في مثل وضعيته، لا لشيء إلا لأنه اهتدى إلى الخلطة الدرامية السحرية الأقرب إلى الجمهور.

مع "السمبسنز" غيّر غرينينغ أسلوبه في التعبير عن قضايا الراهن، فتخلى عن المزج بين عالمي الإنسان والحيوان ووطن عائلته الجديدة في مكان بعيد عن "الجحيم"، في مدينة خيالية سماها "سبرينغفيلد" (Springfield)، وهي كلمة مركبة تعني حرفيا: "حقل الربيع".

لم يقتصر التغيير على الإطار المكاني وحده، بل شمل أيضا موضوع الكرتون ومادته، فبدل الاهتمام بالمهمشين ركز غرينينغ على الطبقة الأميركية الوسطى فصور نمط حياتها وعراه وكشف زيفه ونقده بقسوة، ولكنه غلف ذلك كله بالهزل والفكاهة اعتمادا على خمس شخصيات اقتبس جل أسمائها من أسماء أفراد عائلته الحقيقيين بعدما غير أشكالهم وملامحهم واختار لبشرتهم اللون الأصفر.

ولعل أطرف ما في هذه الشخصيات التي تبدو بسيطة في الظاهر أنها مركبة نابعة من صميم التناقض بين الواقعية الصارمة والخيال الهازل، وأن طبيعة العلاقات بينها ثرية، بل قابلة للإثراء في كل حين.

دمى تجسد العائلة الكرتونية الأشهر في أميركا وفي العالم (الأوروبية)

فهومير (Homer) رب الأسرة يبدو على طرف نقيض مع زوجته "مارج" (Marge) رغم أنهما يعيشان تحت سقف واحد، هو بدين، كسول، غير مبال، مدمن على الشراب، لا تتناسب طباعه مع وظيفته كمسؤول عن جهاز الأمن والسلامة في المحطة النووية للمدينة، أما "مارج" -ربة الأسرة- فهي تتحلى بخلق العزيمة والصبر ورباطة الجأش، وتسعى من خلال مواقفها وسلوكها إلى المحافظة على النظام الأسري وإلى تكريس القيم الاجتماعية الفاضلة.

ولكن الملامح الإيجابية في شخصيتها سرعان ما تتهاوى أمام حقائق ماضيها، وهي التي حملت -خارج الأطر الشرعية للزواج- ابنها البكر بارت (Bart) ممن سيصير -درءا للفضيحة- زوجها وشريك حياتها.

وأما شخصيات الأبناء "بارت" (Bart) و"ليزا" (Lisa) و"ماجي" (Maggie) فما هي -في المحصلة- إلا ثمار التناقضات الصميمة التي تعتمل في صلب الأسرة الأميركية، تناقضات ظلت فيها شخصية "بارت" شخصية متمردة تثير الاضطراب وتزرع القلاقل حيثما حلت، وشخصية "ليزا" شخصية موهوبة تستبق عصرها، وشخصية "ماجي" شخصية واقعة بين عبث الطفولة ومواقف البطولة.

ولأن بناء عالم سردي كرتوني مفتوح لا يمكن أن يقتصر على أفراد عائلة "السمبسنز" وحدهم، ابتكر غرينينغ شخصيات أخرى قد تبدو لنا ثانوية ولكنها سرعان ما تصبح مركزية من جهة قدرتها على توجيه الأحداث وطاقتها في توليد المواقف الهزلية، كما هو الحال مع شخصية السيد بيرنس (Burns) المدير المسؤول عن المحطة النووية، أو شخصية موي (Moe) صاحب الحانة التي يرتادها "هومير"، وغيرهما كثير.

في عالم الميديا الأميركية ليس من اليسير أن تصمد سلسلة تلفزيونية ربع قرن، فما بالك لو كانت كرتونا هزليا! ولكن عائلة "السمبسنز" صمدت وهي التي دشنت منذ ما يناهز الشهرين، وتحديدا يوم 28 سبتمبر/أيلول 2014 موسمها الـ26، غير عابئة بأصوات الاستهجان التي ظلت تلاحقها، ومن بينها صوت الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الذي فضل عليها عائلة تلفزيونية أخرى وهي عائلة الـ"والتنز" (The Waltons) على الرغم من أنه يعرف جيدا -في ما نقدر- أن هذه الأخيرة لم تصمد على الشاشات وفي جدولة البرامج إلا تسعة مواسم لا غير (من 1972 إلى 1981)، ثم اندثرت ولفها النسيان دون أن تحصل على ما حصلت عليه عائلة "السمبسنز" من تكريم لعل أبرزها نجمة ساطعة على درب المشاهير (The walk of fame) في هوليوود.

كانت عائلة "السمبسنز" في بداياتها عائلة صغيرة في عالم كبير، وها قد أضحت عائلة كبيرة في عالم صغير، عالم الميديا الذي يختزل الجغرافيا ولا يعترف بالحدود.

المصدر : الجزيرة