بوعلام رمضاني-باريس

اختلطت السياسة في فرنسا بالاقتصاد والثقافة بشكل يكرس قطيعة محتشمة تعد الأولى من نوعها في تاريخ ما يسمى الاستثناء الثقافي الفرنسي الذي يعني تمويل الدولة للثقافة والفنون بنسبة كبيرة، مقارنة بما يحدث مثلا في الدول الأنغلوسكسونية.

وتحقق الأمر الذي ما زال يلقي بظلاله على الساحة الإعلامية بفضل رجل يؤمن بأن بلده قد تأخر كثيرا عن ركب العولمة التي يجب أن تشمل العمل الثقافي وتحوله إلى مصدر اقتصادي مربح عبر الاستثمار التجاري في المجال الفني.

"من الجيد أن تكون لدينا وزارة للثقافة، لكننا نحتاج أيضا إلى ما يتم في الولايات المتحدة، وأعني بذلك المؤسسات الخاصة التي تشارك في الحياة الفنية".. هذا التصريح أدلى به الملياردير برنار أرنو صاحب مؤسسة لوي فويتون المخملية الخاصة التي تحمل منذ أواخر الشهر الماضي اسم المتحف الذي دشنه ورعاه الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بقناعة تزيد من فتيل الحرب المشتعلة بينه وبين خصومه الاشتراكيين الرافضين لخصخصة تطال الثقافة التي لا ينبغي أن تصبح تجارة في تقديرهم، كما هو الحال في المجالات الأخرى.

أمركة مبطنة
"الأمركة المبطنة" -على حد تعبير نورة الصحفية الجزائرية المتخصصة في الموضة التي ذاعت بها عالميا مؤسسة فويتون- أضحت في نظرها أمرا واقعا انطلاقا من الاختراق الكبير الذي حققه الملياردير الفرنسي المثقف والعاشق للفنون ومقتني اللوحات الغالية النادرة، وهو الاختراق الذي لم يقف عنده الإعلام الفرنسي من هذا المنظور خلافا لنظيره الأميركي الذي احتفى به بالشكل الذي يعلن عن بداية حل العقدة الفرنسية الشهيرة.

وكتب رئيس تحرير وكالة الإعلام الفني هنري روبير في صحيفة "لاتريبون" الاقتصادية الليبرالية مذكرا بقول الملياردير الفرنسي أن بلده لا يعترف بالمؤسسات الخاصة مثل فويتون كمحرك أساسي للحياة الاقتصادية بوجه عام والثقافية بوجه خاص، وفي تقديره يجب العودة بفرنسا إلى عهد قديم كان يمول فيه رجال الأعمال الحياة الفنية، خاصة أن الأزمة الفرنسية أثبتت عجز الدولة عن دعم الإبداع الفني.

فضول الناس تسبب في ازدحام السيارات
أمام المتحف (الجزيرة نت)

تحفة فنية
الحقيقة الثانية التي زادت من "طابع الأمركة" الذي اكتساه المتحف الذي بني على قطعة أرضية مدروسة بعناية فائقة الخلفية والأبعاد، تمثلت في اسم المعماري الأميركي المسن فرانك غيري (85 عاما) الذي اختاره أغنى رجال الأعمال الفرنسيين لتحقيق المشروع الذي هزم من خلاله منافسه الثري الآخر فرانسوا بينو صاحب متحف قصر بلازو الذي بناه في البندقية عام 2002 إثر فشله في إنجاز مشروعه في جزيرة سوقان بضاحية بولونيْ بيانكور الباريسية.

وبحسب أخصائيين، فإن المتحف -الفرنسي تمويلا والمعاصر توجها فنيا والأميركي عقلية وفنا معماريا- يعد تحفة إبداعية غير مسبوقة بشكله الذي يمثل غيمة زجاجية أو مركبة بحرية تكسوها غيمة كبيرة.

يشار إلى أن مؤسسة لوي فويتون ليست هي الأولى في تاريخ المؤسسات الخاصة التي تستثمر في الفنون، وقد سبقتها كل من مؤسسات كارتييه عام 1984 وكارمياك عام 2000 وريكار عام 2004، وسترى مؤسسة أروقة لافايات الرابعة النور عام 2016.

وتبقى مؤسسة فويتون متميزة بمساحة أربعة آلاف متر مربع مخصصة لمعارض لوحات صاحبها، وأخرى مؤقتة لفنانين من شتى أنحاء فرنسا والعالم، ومن المنتظر أن تستقطب سنويا حوالي سبعمائة ألف سائح.

المصدر : الجزيرة