حوار: كمال الرياحي-تونس

يمثل الفنان منير العرقي أحد أهم الناشطين بالمشهد المسرحي التونسي اليوم من خلال ما يقدمه من مسرحيات تنوعت في أشكالها بين المسرحية ذات الممثل الواحد على غرار "خويا ليبر"، والمسرحية ذات الإنتاج الضخم كما في "الرهيب"، وحول تجربته الركحية وأعماله الجديدة ومشاكل المسرح التونسي يدور هذا الحوار.

تواصل تجربتك مع الاقتباس كأحد المخرجين المتمسكين في جزء من مشروعه بهذا الاتجاه، وبعد "الكونترباس" لسوسكيند و"إبراهيم بن الأغلب" لعبد القادر اللطيفي و"أنطيقون" للإغريقي الشهير سوفوكل، تنطلق هذه الأيام في مشروعك المسرحي الجديد "العساس" في مقاربة تونسية لإحدى أشهر المسرحيات العالمية للكاتب الإنجليزي هارولد بنتر الحاصل على جائزة نوبل للآداب للعام 2005؟

برأيي الفنون متداخلة في ما بينها، وليس من الصالح التفريق بين مختلفها بدعوى الاختصاص، لأن في اجتماعها فوائد عدة، والاقتباس من روائع الأدب العالمي فيه مزية تقديم الأعمال الرائعة لجمهور المتفرجين وحثهم على التذوق الأدبي، وعلاوة على أن القراء ليسوا بأعداد كبيرة أعتقد جازما بأن الأعمال الناجحة هي بالكاد ذات خصوصية، وهي إنسانية بالأساس.

بقي أن نبحث عن ميكانيزمات النجاح والاشتغال عليه وإعادة إنتاجه بشيفرة من الممكن أن يفكها ويفهمها الجمهور لامتلاكه آلية التحليل، ولأن الطرح يعنيه كما أنه سيستسيغ قوة الأثر الفني الأصلي، وعموما المسرحي يتجدد بزيارة المكتبة المسرحية والأدبية، فالكتابة لا تتأتى من فراغ.

لماذا هذا الاختيار الآن لمسرحية "الحارس الليلي" التي سبق تقديمها في مسارح كثيرة منها مسارح عربية؟

في الحقيقة لم يسعفني الحظ لمشاهدة الحارس الليلي باللغة العربية، ولكني في المقابل شاهدت بعض المقتطفات من تجارب مسرحية عالمية إنجليزية وفرنسية على يوتيوب، أما عن سبب اختياري لهذه المسرحية الآن فالأسباب عديدة أهمها ما تنطوي عليه من أحاسيس مفعمة.

إن الأثر الفني يتلاعب بالمشاعر ويأخذك في كل الاتجاهات، فتغوص في داخلك وتحفر بعمق لتسأل نفسك أي الشخصيات أكون وهل أنا ضحية أم محتال وبعبارة أخرى هل أنا خير أم شرير.

 الحديث عن الشر يحيلنا على مسرحيتك "الرهيب" التي تقدم عروضها لسنة جديدة، كيف تقرأ هذا النجاح الذي حققته هذه المسرحية التاريخية بإسقاطاتها السياسية المعاصرة؟ وهل يعطي هذا النجاح أملا في عودة هذا النمط من المسرحيات التي بدأت تختفي من المشهد المسرحي العربي؟

"الرهيب" تعد تجربة هامة في مسيرتي الفنية على مدى نحو ثلاثين عاما، ولقد اشتغلت على نص كلاسيكي باللغة العربية الفصحى ونص تاريخي يبحث في أسباب سقوط الدولة الأغلبية وعاصمتها القيروان، إذ تتبعنا كيفية السطو على الحكم الأغلبي من قبل قضاة أفريقيا وأئمتها وأشرافها وتجارها، وكيف زينت البطانة الحكم لأمير بائس وكيف بايعوه بغير ذي حق فخلقوا منه طاغية سفاحا.

مشهد من مسرحية الرهيب لمنير العرقي (الجزيرة)

إنه درس الثورات المغشوشة ووصفة ابتكار الأباطرة، وهذا ما جعل المسرحية مهمة لارتباطها بما عشناه في تونس إبان الثورة من ناحية ولكونها تتوفر على جمالية عالية لاهتمامنا بالملابس التاريخية الجميلة والجذابة، وبحثنا في الخامات المستعملة في العهد الأغلبي.

كما يعود نجاح المسرحية في اعتقادي لتميز ممثليها وأدائهم بعفوية شدت الجمهور على اختلاف الأعمار والمستويات.

أما بخصوص عودة هذه الأعمال فيصعب الجزم بذلك، لأن الإنتاج ضخم ومكلف وعرضه في المسارح الدولية العربية والعالمية عسير التنفيذ، وحظوظ توزيعه وانتشاره رهين التبادل الثقافي لا غير.

حاول الكتاب أن يجد لنفسه حياة خارج البلاد في عصر الديكتاتورية بتهريبه ونشره في دور نشر عربية وأجنبية، لكن المسرح لارتباطه بالحيز وبالخشبة، ظل يقاوم من أجل البقاء حيا في الداخل هل كان فعلا أكثر الفنون استهدافا؟

المسرحي التونسي كان مشاكسا منذ نشأته، ولعل ذلك يعود إلى الزعيم الحبيب بورقيبة الرئيس الأول للجمهورية التونسية بوصفه محبا للمسرح وداعما لرواده من المثقفين المستنيرين، كما أنه كان من المشجعين على ممارسته، فسن قوانين تشرع إنتاجه بخطابه الشهير في أغسطس/آب 1962. 

وعرف المسرح التونسي غداة الاستقلال غزارة وتنوعا لافتين، فكان المسرح حاضرا في المؤسسة التربوية والجامعية وفي دور الشعب والثقافة والشباب، وقد تمرس المسرحي التونسي على المراوغة بزئبقية خلاقة مفلتا من يد الرقابة التي كانت كثيرا ما تتدخل لتغيير مفردات من مسرحيات عديدة.

في زمن بن علي كان الأمر مختلفا أليس كذلك؟

نعم في زمن بن علي كانت الرقابة على المسرح مادية أكثر منها ردعية وبوليسية، حيث يحرم المشروع المسرحي غير المرغوب فيه من الدعم على الإنتاج والترويج، ويوصى في كثير من الأحيان بعدم برمجة مسرحيات بدعوى أن فحواها فيه الكثير من المباشرة، وهي تحريضية وذات دعم أجنبي مشبوه هدفه الإساءة لتونس.

وكان المسرحي التونسي مجتهدا في الكتابة الركحية، كاتبا بذلك نصا مرئيا إيحائيا موازيا للحوار المنطوق يخاطب به الجمهور الواعي النخبوي الذي يمتلك قدرة القراءة بمختلف مستوياتها، ورغم التشديدات والمضايقات نجح المسرح التونسي في المحافظة على نسق إنتاجاته، ولم يخسر الكيفية والجمالية التي تميزه، ولكنه ابتعد تدريجيا عن الجمهور العريض وهمومه اليومية، وعموما سيظل المسرح أينما كان مشاكسا وخطيرا، لأن قدره أن يكون كذلك.

 بعد ثلاث سنوات من الثورة التونسية كيف ترى واقع المسرح التونسي؟

ببطء شديد، بدأ الذهول ينقشع عن المسرحي التونسي، إذ إن ثورة 14 يناير أذهلت الفنانين
والمثقفين والسياسيين على حد سواء، لا ننكر أن الثورة التونسية كانت مفاجأة ومدوية كالصاعقة فرضت الصمت على أثرها، لحظات فراغ فرضتها محاولة فهم ما وقع.

كان الفنان المستشرف للمستقبل الفنان المنادي بالتغيير والمطالب بالحرية يستوعب ما جد ويلملم أفكاره ليشكل رؤية فنية تعلق على ما حصل وتعيد تركيب الصورة.

وشخصيا أنتجت ثلاثة أعمال بنوعيات مختلفة، الأولى "خويا ليبر" وهي مونودراما تعيد سرد أحداث الثورة يرويها سائق أجرة تحصل على ثروة فجائية، والثانية "الرهيب ابن الأغلب" كلاسيكية تاريخية سياسية تدين الحكم الجائر وتحذر من مغبة استعمال الدين لافتكاك السلطة، والثالثة "شريفة عفيفة" وهي مسرحية تطرح مشكلة المرأة.

هذا التشخيص انسحب على جميع التجارب المسرحية كبيرة كانت أو صغيرة بما فيها تجربتكم؟

نعم أوافقك الرأي، والمتأمل في مواضيع مسرحياتي الشخصية يلاحظ كم هي لصيقة بالثورة وما تلاها ومواضيعها آنية ومستعجلة.

الممثلان جمال المداني والبشير الغرياني في مسرحية الرهيب (الجزيرة)

وكان الشأن نفسه لزملائي من المسرحيين، إذ طغت على أعمالهم الميثيولوجيا اليومية، وهي في أحيان كثيرة سلخ للأحداث المتسارعة التي نعيشها في تونس، والمهم في ما تقدم أن الأسلوب الذي طغى على مسرحنا بعد الثورة هو الأسلوب المباشر، أي الخطاب الشعبي الذي يسمي الأشياء بمسمياتها، فكانت النصوص المقدمة في الموسمين الفارطين مرتجلة في معظمها وفي جمالية غير مكتملة، لأن الهدف كان تعبيريا بالأساس.

كيف أثرت، حسب رأيك، التحولات السياسية وظهور التيارات الأيديولوجية التي كانت محظورة في سقف الحريات في المشهد المسرحي في تونس؟

ليس هناك سقف لحرية المبدع إلا السقف الذي يضعه لنفسه كرقابة ذاتية، وأخاف تأثر المبدع التونسي بضرورة النضال الحزبي، وبذلك تصبح الأعمال المسرحية دعاية حزبية، ويصبح الخطاب الفني مجرد غلاف لبوق الدعاية الحزبية، ويحتل التحريض مكان الإيحاء والشعار مكان الصورة الإنشائية الجمالي.

شكلت التغييرات التي حدثت في إدارة المسرح الوطني وتعيين المسرحي الفاضل الجعايبي موضوع جدل كبير بين الفنانين والمسرحيين اليوم، وأنت الذي أنتج لك المسرح الوطني مسرحية الرهيب، ماذا تنتظر من هذه التحويرات؟

في الحقيقة لا أعتقد أن تعيين مدير جديد على مؤسسة المسرح الوطني من ذوي الخبرة الفنية سيحل إشكالاته، لأن مشاكل هذا الهيكل إدارية تنظيمية وليست فنية. هذا رأيي وعموما صرح المدير الجديد بأن له برنامجا تأهيليا يستهدف هذه المؤسسة، وإلى الآن لم يقدمه لنا.

أما ما يمكن توقعه فهو أزمة قريبة مع الإطار العامل الذي كان ينتظر تسوية لمطالب نقابية فلم يجد إصغاء من لدن هذه الإدارة الجديدة.

وأنت تشرف على مصلحة من المسرح في وزارة الثقافة ما الخطط التي وضعتها الوزارة لتغيير واقع المسرح التونسي اليوم؟

أهم ما يمكن قوله في هذا الصدد هو انفتاح الوزارة على الهياكل المنتخبة من اتحاد المسرحيين المحترفين والنقابات المهنية وجامعة مسرح الهواية والجمعيات ذات الصلة وتشريكهم في لجان الدعم والاقتناء لمزيد الشفافية في إسناد الدعم المادي للمشاريع المسرحية المقدمة، وكذلك التعجيل بسن القوانين الأساسية المنظمة لمراكز الفنون الدرامية الركحية وبتحيين القوانين المنظمة للمهنة ككل.

كيف ترى مساهمة المسرح الخاص في تشكيل هذا المشهد؟

المسرح الخاص موقعه مميز في تونس وهو ليس تجاريا، بل يبحث دائما في آليات التطوير، وهو ليس في قطيعة مع المسارح العامة، وعموما المسرح الخاص في تونس يمكن أن نطلق عليه
"برعاية الدولة" فليس هناك مفهوم الخوصصة مائة بالمائة في تونس، بل تواصل الوزارة دعم هذه الشركات المسرحية في غياب تدخل رجال الأعمال للاستثمار الثقافي.

ما حظ الشباب في رؤيتكم للمسرح التونسي اليوم وغدا في ظل ما يردده بعض الفنانين والمسرحيين الشبان عن وجود أباطرة يسيطرون على المسرح في البلاد، وهل هناك صراع أجيال داخل المشهد المسرحي التونسي؟

الجيل الجديد في المسرح التونسي هو جيل متمرد ومغامر، جيل درس في تونس، وتتلمذ على تلامذة الجيل القديم الذي درس في الخارج، أنا أنتمي إلى جيل وسط تتلمذنا على من درس المسرح في فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وألمانيا. وعموما نحن ابتدأنا هذا المشوار من الثمانينيات وعند انطلاقتنا وجدنا عراقيل عديدة منها التفرغ للمهنة المسرحية فاضطررنا إلى العمل كأساتذة تعليم فني في المعاهد الثانوية وابتعد معظمنا على الفعل المسرحي الحي.

أما الجيل الجيد فهو في ورطة حقيقية، فليس هناك تشغيل آلي، إذ إن المتخرج من معاهد الفنون الدرامية لا ينتدب كمدرس إلا إذا اجتاز مناظرة وفي غالب الأحيان تكون نسبة القبول منخفضة جدا.

وإذا اختار المتخرج العمل الميداني فليس هناك توظيف في مؤسسة المسرح الوطني أو في مراكز الفنون الدرامية والركحية، لذلك على الجيل الجديد أن يفتك موقعه بنفسه وأن يجتهد ليقدم البديل الفني ويقترح الحلول المناسبة لتطوير القطاع والمهنة المسرحية فهو طرف مشارك فيها.

المصدر : الجزيرة