أمير العمري*

يمكن القول إنه لو لم تكن الحرب قد وجدت، لكانت السينما -والسينما الأميركية خصوصا- قد اخترعتها، فالحرب هي ذروة دراما الصدام الإنساني، ومعروف أن الدراما تجسيد للصراع بين شخصيات في زمان ومكان محددين، أو حتى في أزمنة وأماكن مختلفة.

أما الحرب فهي أكثر أشكال الصراع الإنساني درامية ودموية أيضا، فهي لا تدور بين أشخاص بل بين أمم وشعوب وجيوش وكيانات كبرى وإرادات سياسية.

الدليل على أن السينما كانت ستخترع الحرب حتى لو لم توجد لكي تستخدمها في الأفلام، ما نشاهده يوميا من أفلام جديدة تقوم حبكتها كلها على صراعات وحروب وغزوات افتراضية، بين كائنات تسكن الكواكب الأخرى تهدد كوكبنا الأرضي، أو بين سكان الكواكب الأخرى بعضهم البعض، أو بين كائنات من ما قبل التاريخ، وكلها بالطبع من وحي الخيال، ونماذجها ليست سوى ابتكارات من علوم الكومبيوتر، تتحرك وتتخذ أشكالا غريبة، وتحمل أسلحة وتستعين بمعدات أكثر غرابة، وكل هذه الأفلام تدور حول الفكرة الأزلية التي شغلت الدراما في العالم منذ القدم، أي الصراع بين الخير والشر.

مشهد من فيلم "في وادي إيلاه" الذي يدين الإدارة الأميركية لحربها في العراق

حرب العراق
أطلقت السينما الأميركية العنان للخيال من أجل التعبير عن الحرب، سواء من زاوية الشرح والتبرير أو حتى الاحتفاء بالنصر وتمجيد الجنود (كما في أفلام الحرب العالمية الثانية)، أو كرؤية تراجع وتدقق وتنقد وتدين بل وتصل أحيانا إلى أقصى درجات القسوة على الذات، كما في أفلام حرب فيتنام.

ولعل أميركا لم تمر بفترة مراجعة للذات كما حدث في أعقاب حرب الخليج الأولى ثم الثانية منذ موجة سينما وأدب وأغاني الاحتجاج  ضد حرب فيتنام في الستينيات. والأفلام التي ظهرت منها ما يصور تداعيات التدخل الأميركي في العراق، ومنها ما يتناول جوانب أخرى، إنسانية ترتبط بالفرد -أي الجندي- المقاتل، والمأزق الذي كان يتعين عليه أن يواجهه وهو يحارب في بيئة صعبة لا معرفة له بها، وما تركته الحرب عليه من جروح نفسية قاسية.

ومن الصحيح القول إن السينما الوثائقية أكثر قدرة عادة على تناول الأحداث الساخنة بعد أن تنتهي مباشرة بفعل قدرتها على التوثيق والمتابعة والاعتماد على الصور التي التقطت يوميا أثناء القتال أو على الجبهات السياسية، أما السينما الروائية فمن الممكن أن ينطبق عليها قول منسوب للزعيم الصيني ماوتسي تونغ عندما سئل عن الثورة الفرنسية (التي وقعت في أواخر القرن الثامن عشر) فكانت إجابته: "ما زال الوقت مبكرا للحكم عليها"!

السينما الروائية بحكم اعتمادها على الخيال القصصي الدرامي تحتاج إلى مرور بعض الوقت -الطويل نسبيا- تعيد خلاله تأمل الأحداث قبل أن يتمكن الكتاب والمخرجون من التعبير عنها في سياق فني مقنع.

وليس معنى هذا أن الفيلم الروائي أو القصصي الدرامي عموما يجب أن يعتمد بالكامل على الخيال، بل إن معظم الأفلام التي ظهرت عن حرب العراق تحديدا، يعتمد على وقائع وشخصيات حقيقية، يستخدمها كتاب السيناريو وينسجون حولها من خيالهم الخاص إلى أن يتوصلوا إلى معالجة درامية تصلح للتجسيد على الشاشة، فليس كل ما يحدث في الواقع يصلح للسينما، والتجارب الشخصية تقتضي عادة قدرا من "الخيال" الفني وإعادة الصياغة، لكي تصبح قابلة لأن تترجم إلى فيلم سينمائي.

في الوقت نفسه ظهر عدد من الأفلام التي لا تتناول الحرب في العراق بشكلها المباشر، أي تصور كيف يقتل الجنود أو كيف تبدو مهمتهم الحربية هناك شديدة الصعوبة مثلا، بل تركز أكثر على انعكاسات الحرب وتأثيراتها المدمرة: النفسية والاجتماعية والسياسية.

مثالا على ذلك، فيلم In The valley of Elah  أو "في وادي إيلاه" (2007) الذي أخرجه بول هاغيس وقام ببطولته تومي لي جونز وتشارليز ثيرون وسوزان ساراندون.

هذا الفيلم لا تدور أحداثه في العراق بل في أميركا، لكن هناك لقطات قليلة تكشف لنا الواقع المزري لحياة فصيلة من الجنود الأميركيين هناك.

داوود وجالوت
ويشير عنوان الفيلم إلى ذلك الوادي المذكور في التوراة الذي شهد ذلك الصراع "الشهير" بين النبي داوود (الصغير) وجالوت (العملاق)، وهذه هي القصة التي يرويها بطل الفيلم، وهو ضابط شرطة عسكرية متقاعد سبق أن خدم في فيتنام.

يتلقى هذا الرجل -يقوم بدوره تومي لي جونز- ذات يوم مكالمة هاتفية من الجيش يخبرونه خلالها أن ابنه الوحيد الذي كان جنديا في العراق وعاد قبل فترة قصيرة إلى قاعدته العسكرية في ولاية نيومكسيكو، قد أصبح مفقودا ولا أحد يعرف ما جرى له، ولكنهم عثروا على رفاته في مكان ما.

من هنا يبدأ الرجل بحثه المضني عن حقيقة ما وقع لابنه، فيتوجه إلى بلدة قريبة من القاعدة العسكرية ومن موقعه هناك يطرح عشرات الأسئلة على زملاء ابنه وعلى عدد من الضباط، لكنه يتشكك في إجاباتهم.

فيلم "في وادي إيلاه" هو من الأفلام التي لا تعجب "الإدارة الأميركية" ولا المؤسسة العسكرية التي تريد دوما أفلاما تتبنى رؤيتها وموقفها وتشيد بإنجازاتها حتى لو فشلت!

وأخيرا يطلعونه على بقايا ممزقة متفحمة لجثة ابنه وهاتفه المحمول المحطم، ويتمكن هو بمساعدة تقني محترف من رفع وتنزيل مجموعة من اللقطات المصورة عبر الهاتف المحمول لما كان يفعله جنود الفصيلة في العراق: كيف كانوا يعيشون داخل القاعدة العسكرية مهددين بالموت يوميا، وكيف بلغ توترهم العصبي درجة جعلتهم يتشاجرون مشاجرات عنيفة مع بعضهم البعض، وكيف كانوا يدخنون المخدرات بل ويتاجرون فيها أيضا تحت إشراف بعض الضباط، ويصبح من المؤكد في النهاية أن "ديفيد" الابن قُتل على أيدي زملائه خلال نوبة من نوبات الانهيار العصبي بفعل ذلك "الكابوس المرعب" الذي كانوا يعيشونه في العراق، فلم يكونوا يعرفون لماذا هم هناك، ومن هو العدو، وكيف يواجهونه، ومتى يعودون إلى الوطن.. إلخ.

تساعد الرجل في بحثه شرطية مطلقة ولديها طفل يدعى ديفيد أيضا، ويقص عليه الرجل قصة داوود وجالوت وصراعهما في وادي إيلاه، وكأنه يرمز بتلك القصة إلى الصراع الدائر في الشرق الأوسط.

في الوقت نفسه يكشف الفيلم أن الرجل وزوجته سبق أن قُتل ابنهما الأكبر في إحدى العمليات العسكرية التي لا يكشف عنها، ويقول الفيلم بوضوح إن كذب المسؤولين العسكريين ومواراتهم للحقيقة هو كذب على أميركا كلها، وهو معادل لفساد ما داخل هذه المؤسسة التي يمكنها خداع الرأي العام من أجل تحقيق أهدافها.

فيلمنا هذا يعتمد على البناء المتقن للشخصيات، وأهمها الشخصية الرئيسية لذلك الضابط المتقاعد الذي يصوره الفيلم رجلا شديد الانضباط، يحرص على تسوية فراشه في الفندق، وتلميع حذائه يوميا بنفسه، يستيقظ مبكرا، يتشكك بحكم طبيعة عمله السابق فيما يقال له، ويفضل البحث عن الحقيقة بنفسه.

ورغم مأساته الشخصية إلا أنه يمتلك روحا إنسانية تنعكس في تعاطفه مع الشرطية وابنها، كما يبدو في تطلعه إلى زملاء ابنه من الجنود وكأنه يرثي لهم أكثر مما يدينهم.

والفيلم في النهاية من تلك الأفلام التي لا تعجب "الإدارة الأميركية" ولا المؤسسة العسكرية التي تريد دوما أفلاما تتبنى رؤيتها وموقفها وتشيد بإنجازاتها حتى لو فشلت!

_______________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة