نزار الفراوي-الرباط

في رواق بوسط العاصمة المغربية الرباط، حطت الرحال مجموعة الإبداعات الجديدة التي أثمرتها ورشة النحات التونسي صحبي الشتيوي، منتزعة إعجاب ثلة من عشاق ونقاد الفن الذين حضروا افتتاح معرضه المتواصل منذ 2 أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

بين التصويري الوصفي المنبثق من حس فنان شديد الانتباه للظواهر المجتمعية والطبيعية ومفتون بتفاصيل وملامح الشخصيات البسيطة المجهولة في الزحام، وبين التعبيري الرمزي الذي يترجم انفعالات تأملية تجاه قضايا العالم والوجود، تتنوع منحوتات الفنان الشتيوي ابن العاصمة تونس الذي ارتضى منذ زهاء ثلاثة عقود الإقامة بالدار البيضاء واتخذها موطنا لممارسته الفنية.

النحاس معدنه الأثير، وهو من فرط تعددية ودقة وتعقد الأشكال التي يكتسيها في المعرض، يكاد يفقد هويته الأولى كمادة صعبة التطويع، ليغدو في عين المشاهد عجينة مرنة تنقاد بسلاسة واستسلام لإرادة المبدع اليدوي وتنصاع للخيال التشكيلي الحركي للفنان.

بين مواد المعرض اختلاف وتنوع يجعل الفضاء مجمع عوالم شتى، مشبعة بالحس الإنساني والعمق الفكري والأفق الشاعري.

للزائر أن يقف طويلا أمام قطعة عازفة الكمان التي تحضن آلتها بانصهار روحي كامل، كما لو يخلد من خلالها ولعا طفوليا قديما بالموسيقى التي تحضر من خلال قطع أخرى. له أن يستعرض سلسلة من المنحوتات لحشرات مضخمة الحجم مثل النحلة والنملة وكذا الحرباء، ولا يمكنه الا أن يستغرق في تمثل روح إبداعية متوثبة ترصد جمالية الفرس وكبرياءه، انسجاما مع حضوره القوي في الذاكرة الحضارية العربية بوجه خاص. ويحضر هذا الفرس بشكلين فنيين: تصويري محض، ثم تعبيري مركب يدمج فن الحروفية في تشكيل القطعة المنحوتة.

من أعمال النحات صحبي الشتيوي (الجزيرة نت)

شغف بالهامش
وعلى صعيد آخر، يبدي صحبي الشبيهي شغفا بتخليد ملامح وشخوص على الهامش، يصر على واقعيتها وانبثاقها من حقيقة مشاهداته في الشوارع والفضاءات العامة، مميزة تلك القطعة المجسدة لامرأة قروية من شمال المغرب، بيدها منجل للحصاد، وعلى ظهرها كتلة سنابل، وهي في مرحلة متقدمة من الحمل.

كذلك شأن ذلك الوجه المحفور بالأخاديد، لبائع الماء المتجول الذي يكاد ينقرض من شوارع المدن والأسواق التقليدية التي طالما كان وجها من وجوهها، إلى جانب مشهد ماسح الأحذية المكب على أقدام العابرين، وحمالة الحطب وغيرهما.

وفضلا عن إبداعات برونزية توثق مشاهدات العين وحساسيتها تجاه محيطها، تحضر الأسئلة القلقة وهواجس زمن  مضطرب، تدل على ذلك أسماء قطع من قبيل "عولمة"، "آدم وحواء"، "أنا أتهم"، "الإنسان في الدائرة".. بل إن الفنان يؤثث معرضه بقطع كبيرة تجسد علامات استفهام، هي تعبير عن عجز عن القراءة، وبالتالي عن التفسير في عالم الالتباس وانفلات المعاني.

على أن الفنان نفسه يعود إلى إبداعاته التصويرية ليؤكد أن اختياراته لبعض الأشكال لم تكن صدفة، بل معبرة عن رؤيته الفلسفية والسياسية تجاه المحيط. يقول في تقديم لبعض أعماله إن "قطعة الحرباء ترمز إلى مجتمع أفراده يتصرفون بوازع مصالحهم الشخصية، فيمضون -على حساب قيمهم ومبادئهم- إلى تغيير ملامحهم وألوانهم وأيدولوجياتهم ومواقفهم السياسية..".

أما عن النحلة والنملة، فيقول الفنان الذي يعده المهتمون أيقونة لفن النحت الحديث في العالم العربي، إن "أعمالي تعكس ألمي بين النشوة والاحتضار.. الصراخ في آذان الصم.. إحباط فنان هش مثل النحلة.. هذا المخلوق الإلهي الذي يعمل ليل نهار من أجل إنتاج العسل المفيد والمنعش. أما منحوتة النملة فهي رمز التضامن المقدس داخل مجتمع موحد وواع برهانات الحياة في الجماعة".

المصدر : الجزيرة