الجزيرة نت-خاص

على الضفة اليسرى لنهر الفرات يقوم بناء أبيض جميل ومهيب، كان يعد من أكبر المراكز الثقافية في سوريا، وهو مركز بني في الثمانينيات من القرن الماضي  لتفتخر به الرقة (شمال) على باقي المدن السورية.

ولم يكن سكان الرقة يتوقعون أن يتحول مركزهم الثقافي -الذي كان فضاء تعقد فيه الأمسيات الشعرية والأدبية، إضافة لنشاطات ثقافية عديدة عالية المستوى- إلى مكان تفوح منه رائحة الموت والعدم.

ويقول رشيد -وهو شاب من الرقة آثر البقاء في مدينته- إنه يشعر بالحزن كلما مر بالقرب من المركز الثقافي، ويضيف "أحاول ألا أنظر باتجاهه، ولكن العيون تخونني لتهرب دمعة منها حزنا وأسفا على ما آل إليه المبنى، الذي كان عامرا بالمعرفة وبات اليوم أبوابه مغلقة بعد خرابه".

ويشير رشيد إلى أنه عندما سيطر مقاتلو المعارضة السورية على الرقة في مارس/آذار من العام الفائت، قام طيران النظام بقصفها بعنف فشن غارات عديدة على المركز الثقافي، وأحرق جزءا كبيرا منه.

ويضيف أنه كان قريبا جدا في ذلك اليوم من المكان ورأى كيف أصاب صاروخ أطلقته طائرة حربية تابعة للنظام مبنى المركز، فدمر أهم وأكبر قاعاته وهي قاعة عبد السلام العجيلي فاحترقت كل محتوياتها من الكتب والوثائق التاريخية.

 وحاولت عدة جهات حماية المراكز الحيوية في المدينة، ومنها المركز الثقافي، كي لا يصيبها القصف، لا سيما المركز الذي يضم آلاف الكتب وقاعات مسرح ومحاضرات، واستطاعت بالتعاون مع أبناء المدينة الغيورين الحفاظ على ما تبقى من المركز.

الرصاص بدل الحرف
وعندما سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة تغير المشهد تماما حيث قرر أن لا وقت للحرف والثقافة في زمن الرصاص والموت، فحول المركز الثقافي إلى ثانوية شرعية للبنات باسم ثانوية عائشة أم المؤمنين.

تنظيم الدولة حول المركز لثانوية شرعية للبنات (الجزيرة)
وتقول فاطمة -وهي فتاة من الرقة كانت تقضي جلّ وقتها في المركز- حيث كانت تحضّر رسالة ماجستير عن تاريخ مدينتها الموغل في القدم, إنه لم يعد للثقافة مكان في المدينة وهاجر أغلب المثقفين إلى خارج سوريا.

وتضيف في حديث للجزيرة نت "كانت الرقة من أكثر المدن السورية اهتماما بالثقافة والفكر، وكان شبابها رغم فقرهم، مهتمين بالحرف، وكان أغلب أدباء وشعراء سوريا يحرصون على زيارة الرقة لأنهم يعرفون أن هناك من يسمعهم ويتفاعل معهم.

يذكر أنه عندما فرض تنظيم الدولة السيطرة الكاملة على مدينة الرقة واتخذ منها عاصمة لخلافته، تراجع كل شيء في المدينة وخاصة الثقافة، حيث تحول اهتمام الشباب والمثقفين لتوفير الأمان والطعام، وهاجر كثير منهم إلى مدن سورية أخرى أو إلى خارج الأراضي السورية.

المصدر : الجزيرة