حاوره-عبد الغني المقرمي

في المنجز الأدبي للقاص اليمني علي المقري تلتقي كثير من الخطوط الفنية والفكرية والسياسية مكونة حالات من التماثل والاختلاف، والتقارب والتنافر، وعلى مدى إصداراته القصصية الأربعة: (طعم أسود رائحة سوداء، واليهودي الحالي، وحرمة، وبخور عدني) التي ترجم بعض منها إلى لغات عالمية، أثير جدل شديد بشأنها.

وفي هذا الحوار حاولت الجزيرة نت أن تقترب أكثر من عالم المقري ومن منجزه الروائي بأبعاده المختلفة:

ثمة من يرى أنَّ الاهتمام العالمي بترجمة رواياتك يعود إلى تشبّع منجزك الروائي بكم هائل من الاستفزاز الفكري والأيديولوجي؟
لا أظن أن هذه المقولة التي تُردد مع أي ترجمة للرواية العربية تنطبق على أعمالي، ولا يبدو لي أن هذه الأعمال التي هي كذلك ما زالت مثيرة، أو محل اهتمام للقارئ غير العربي، لأن هؤلاء القراء اعتادوا مثل هذه الجرأة في الكتابة التي لم يألفها القارئ العربي.

أنت متهم في كل إصداراتك الروائية بأنك مشاغب تحسن اللعب في ساحة المحظور الديني والسياسي، فكيف ترد؟
لا أظن أن الكتابة في المحظور تهمة سوى في الثقافة العربية، فالمحظورات لم تعد تحصى في هذه الثقافة. أنا لا أرى أعمالي على هذا النحو، ما أقوم به كما يبدو لي هو امتحان حيوات وجودية إنسانية من زاوية فنية روائية. هناك من يقرأ الروايات من منطلقات أخلاقية، وليست أدبية أو فنية، ثم يقومون من خلال هذه القراءة بشبه محاكمة تترصد الانزياحات القيمية أكثر من تكشّفهم تجربتها الفنية. وما يبدو لي أن الكاتب إذا لم يكتب ما لا يمكن قوله -أحياناً- تكون كتابته عبارة عن ترديد لثقافة السائد وتكريس لها.

في روايتك "اليهودي الحالي"، يدرك القارئ -دون تمعن كبير- بعدا أيديولوجيا واضحا، كيف يمكن للأيديولوجيا أن تتصالح مع الفن في العمل الروائي على وجه التحديد؟

علي المقري (الجزيرة)

نعم، يمكنك أن تقرأ الرواية على هذا النحو، لكن الأيديولوجيا في رواية "اليهودي الحالي" لا تحضر باعتبارها منطلقاً لتوجه الرواية، وإنما كمحنة بذاتها. ففي الرواية يمتحن الأثر الأيديولوجي في الموضوعات المعيشة كالعلاقة بين الناس، وأثر الأبعاد الثقافية فيها، سواء جاءت من مكونات التاريخ أو من المعيش الراهن.

وما أظنه أن الرواية التي تبدو كوعاء لأيديولوجية ما أو مبشرة بها هي رواية ميتة. صحيح أن الرواية قد تثير أسئلة ما، ولكن ليس عليها أن توجد الحلول لها.

وماذا عن القول إن رواية "اليهودي الحالي" كان يمكن أن تمضي في تفاصيل أكثر؟
الرواية اتكأت على جماليات السرد في الحوليات العربية، وإن لم تشابهها تماماً، لهذا فقد اعتمدت فنياً على التكثيف وذكر ما يهم في حياة الشخصيات دون تفاصيل، فوصف المكان أحياناً قد لا يكون ضرورياً، لأنه ليس ضمن السياق الفني، وأحياناً يكون المكان هو الأهم في السرد أكثر من الشخصيات.

هل هناك مقاربة في روايتك "طعم أسود رائحة سوداء" مع الأدب الزنجي، إذ تتناول موضوع السود في اليمن الذين يسمونهم "الأخدام"؟
لقد قرأت كثيراً عن ما يسمى الأدب الزنجي وفنونه بما في ذلك السينما والتشكيل والرقص والموسيقى، لكنني لم أجد الكثير من التشابه بين هذا الأدب وحياة "الأخدام" -السود في اليمن- فهؤلاء إذ يواجهون حالة من العنصرية من قبل المجتمع المحيط، فإنهم يمضون في حياة لا حدودية، فلا يتقيدون بأي أيديولوجية أو هوية أو حدود جغرافية، ومن ذلك مفهوم الوطن غير المحقق بالنسبة لهم.

ولهذا، فعالمهم الذي حاولت أن أقترب منه هو عالم ما بعد حداثي، يبدو كأنّه بعد موت الدولة بمفهومها الحديث، ومعها مفاهيم أخرى مكرّسة كالوطن وحقوق الإنسان والمساواة وكل الادعاءات الزائفة وغير المحققة. الأخدام -وهي الصفة التي يطلقونها عليهم- يعيشون في حرّية باهية، عصيّة على التدجين، عصيّة حتى على التهميش وإن كانوا مهمّشين.

في روايتك الأخيرة "بخور عدني"، استدعيت أجواء التآلف الذي ساد مكونات المجتمع اليمني في فترات ماضية، فلماذا هذا الاستدعاء في هذا الظرف بالذات؟
لم أهدف إلى البحث عما يشابه الظرف الحالي أو ما يمنحه حلولا لمشاكله، وإنما حاولت أن أمتحن إشكالية تؤرقني على المستوى الشخصي ولم تكن بنت اللحظة كإشكالية التعايش في إطار مجتمع واحد، إضافة إلى مفهوم الوطن والآخر الذي قد يكون نحن.

"علي المقري" الاسم اليمني الوحيد الذي وصل إلى قوائم الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر). ما أسباب الغياب اليمني عن هذه الجائزة من وجهة نظرك؟
أظن أن الوضع الحالي لليمن انعكس على نظرة الأدباء والمثقفين العرب للأدب الخارج من هذا البلد، بينما هو لا يقل في منجزه عن الأدب العربي عامة، وله تجاربه الفنية التي تميزه في هذا السياق. وما يبدو لي أن جائزة البوكر العربية تتميز لكونها قابلة للنقد والمراقبة من قبل القارئ أكثر من تلك الجوائز التي لا يعرف أحد حيثياتها ولا قوائمها المرشحة.

ولعل تزايد ظاهرة الجوائز في العالم العربي قد يساعد الكتاب على تحقيق مطمحهم في التفرغ للأعمال الأدبية، إذ هم يعيشون ظروفا صعبة وقاسية لا تساعدهم في أغلب الأحيان على إنجاز الأعمال التي يأملون تحقيقها.

المصدر : الجزيرة