هيثم حسين

تؤرّخ الهندية أنورادا روي في روايتها "أطلس الحنين المستحيل" حكايات أناس منسيين في مناطق نائية في الهند، تستعيد تفاصيل أزمنة شهدت متغيرات كبرى في تاريخ البلد وشكلت منعطفات مهمة، بحيث إن ما قبلها بات جزءاً من ماض منشود في كثير من وقائعه، وتعكس مرارة الحاضر، وبؤس المستجدات التالية، ولا سيما تلك التي تسببت في تفتيت خريطة البلاد الجغرافية والسياسية والدينية والاجتماعية.

ترسم روي في روايتها -التي أصدرتها دار "الآداب" بترجمة محمد درويش هذه السنة- عوالم شخصيات تجاهد للتشبث بماضيها الذي يكون أيقونتها التي تشعر معها بالدفء والأمان، وما أعقب التغييرات من عنف تفشى بين مختلف المكوّنات والأطراف، بحيث أصبح الحنين إلى زمن الاستعمار حنيناً إلى الهدوء والوحدة، رغم ما كان يشوبه من مساعٍ للتحرر، ومحاولات حثيثة لبلورة الهوية الوطنية في ظل انقسامات كثيرة دفعت إلى التقسيم، ثم الاستعداء.

إيقاع بطيء
تقسم أنورَادا روايتها إلى ثلاثة أقسام: "البيت الغريق" و"القلعة الأثرية" و"حافة الماء". تعتمد إيقاعاً بطيئاً، بخاصة في القسمين الأول والثاني، يتناسب ذاك الإيقاع مع طبيعة الحياة التي تصورها، والأمكنة التي تقاربها.

تبدأ بالسنوات الأولى من القرن العشرين، تتنقل في عدة مناطق من الهند، تسترجع عادات السكان المحليين واختلافاتهم وتمايزهم وتلوينهم لموزاييك الهند الثري، لتبرز كيف أن التنوع الذي كان سائداً اتخذ مسارات خطيرة لاحقاً، وبدأ التطرف بالتنامي رويداً رويداً حتى تفجر قبل الاستقلال عن التاج البريطاني، وأدى إلى الانفصال والعداء.

تسترجع الكاتبة التعايش الذي كان سائداً بين أبناء الهند من المسلمين والهندوس ومختلف الأديان والأعراق الأخرى الموجودة، ثم تلتقط بوادر الانشقاق الذي تسبب في خلخلة السلم الأهلي، ودفع البلاد إلى التقسيم، ودور بعض الأطراف الداخلية والخارجية في تأجيج الصراعات الدينية والإثني

بطل الرواية، "أموليا" يبني معمل الأدوية في بلدة نائية، يجهد لإعمار البلدة، يجمع العمال ويساعدهم في توعيتهم وتعريفهم بوسائل الإنتاج والآلات، يتفاءل بالمستقبل، يبقى وحيداً في مساعيه، يأتي من بعده من يتخلون عن حلمه وأمله، وتتبدد أعماله في مهب الصراعات ونذر التقسيم. تجد شخصيات الرواية أنفسها أمام ضرورة تعريض سلوكياتها لترويض قاسٍ من أجل تحمّل استحقاقات المراحل التالية، لأن اضطراب الأوضاع يبلور ذاكرة مضطربة.

تصور أنورادا أناسا منشغلين بحياتهم البسيطة في الأرياف البعيدة، ومراحل تطورهم وتغير أمزجتهم تبعا لمتغيرات المراحل الجديدة، ثلاثة أجيال وأكثر من الهنود الذين أضنتهم الاضطرابات وقهرتهم الخيبات (أموليا ونرمال وموكوندا..) سواء من خلال إدخال أدوات الإنتاج، أو التعرض للظلم والاستغلال، أو رؤية مشاهد من التحارب المضمَر بين أبناء الطبقات، ودور سلطات الاستعمار في إبقاء التهدئة قائمة، أو رؤية الخراب دون إمكانية الترميم أو الاستدراك.

تسترجع الكاتبة التعايش الذي كان سائداً بين أبناء الهند من المسلمين والهندوس ومختلف الأديان والأعراق الأخرى الموجودة، ثم تلتقط بوادر الانشقاق الذي تسبب في خلخلة السلم الأهلي، ودفع البلاد إلى التقسيم، ودور بعض الأطراف الداخلية والخارجية في تأجيج الصراعات الدينية والإثنية، للإبقاء على حالة التناحر محتدمة، وعدم إفساح المجال للدولة الباحثة عن استقلالها بالنهوض سريعاً، وإبقائها رهينة عداوات داخلية وخارجية، منشغلة بحروب متجددة، والتسبب بتقسيمها. ثم تواصل العداء المستمر بين الهند وباكستان منذ وقوع الانفصال عام 1947.

تبحث أنورادا روي عن المشتركات بين أبناء تلك البلاد، تحاول التذكير بالزمن الذي كان فيه الناس متفقين بين بعضهم بعضاً على أهداف الاستقلال والتحرر والبناء، وكيف أن تلك الأهداف وقعت ضحية نزاعات دموية ساهمت بالتعجيل في ضرب الوحدة الوطنية المأمولة، وعجلت في التفتيت، الذي وقع جراءه كثير من الضحايا من مختلف الأطراف.

غاندي وروح الهند
تتداخل الوقائع التاريخية بأحداث متخيلة تساهم في رسم صورة "أطلس الحنين المستحيل"، ذاك الذي يرى الماضي بعين تنزّهه من الخطايا والأخطاء، في مفارقة مريرة، من جهة أن ما أعقب الماضي المفترض كان مصدر الشرور والمآسي، وخلق شعوراً باليأس لدى الناس، ودفع إلى إشكالية تفضيل المستعمر على الحاكم الذي يفترض به أن يكون وطنياً.

ربما يجسّد بطل الرواية "موكوندا" نموذج الهندي المنعتق من قيوده، الحالم بغد أفضل، وهو بعدم انتمائه إلى طبقة معينة وتربيته في ميتم يشعر بالانتماء إلى الهند وأبنائها جميعاً، يكون نقطة توافق بين الفرقاء. وتكون الخاتمة رمزية حين يقول بطلها: "كل ما كنت أشعر به هو أن الحياة طمست النهر أخيراً ووصلت إليّ"

تستعيد الكاتبة بعض المواقف من ثورة غاندي الاجتماعية والسياسية، والتغيير الذي أدخله على روح البلاد، وتمرده ضد الإنجليز، وتحديه لهم، ومساعيه الحثيثة للوحدة، في الوقت الذي كان يتنامى تيار جارف من الضغينة في قلوب أطراف من الهندوس والمسلمين ضد بعضهم بعضا، والتفجير اللاحق الذي تسبب في تقسيم البلاد، وبقاء أراض متنازع عليها (كشمير) لتكون بمثابة قنبلة موقوتة متجددة الانفجار.

"إن ماضينا هو مستقبلهم" يقول أحد أبطال روي. وهي ترمز بذلك إلى نُشدان الحلم الوحدوي بعيداً عن الخلافات المتعاظمة، وإمكانية تخطي العجز والاقتتال وصولاً إلى تبديد الاستحالة، بحيث يتحوّل الحنين إلى الماضي حنيناً إلى المستقبل، وأملاً فيه.

وربما يجسّد بطلها "موكوندا" نموذج الهندي المنعتق من قيوده، الحالم بغد أفضل، وهو بعدم انتمائه إلى طبقة معينة، وتربيته في ميتم، يشعر بالانتماء إلى الهند وأبنائها جميعاً، يكون نقطة توافق بين الفرقاء. وتكون الخاتمة رمزية حين يقول بطلها: "كل ما كنت أشعر به هو أن الحياة طمست النهر أخيراً ووصلت إليّ".

تستعرض الكاتبة مفارقات من الخيانات التي تعرّض لها الناس في بلدهم، والخداع الذي تم باسم شعارات عريضة، وما مورس من تزييف وتزوير تالياً بعد الانقسام، ومساعي كل طرف للهيمنة على أملاك الأعداء الذين كانوا إخوة وشركاء حتى زمن قريب، ومحاولة "تطهير" منطقتهم منهم، والعقد المستعصية التي نتجت عن ذلك، وفقدان الشعور بالأمان، وتعاظم تأنيب الضمير عند البعض، وانحلال آخرين من القيم وانسياقهم وراء شهوة السلطة والجشع إلى المال بأيّة وسيلة.

تحكي أنورادا روي عن أحاسيس أولئك المنفيين المقهورين الغرباء في أرضهم، وتسرد أساطير مدن مفقودة، وأماكن غارقة تحت الماء، أو مدفونة تحت طبقات الأرض، وذلك مع ما تلجأ إليه من رصد تأثيرات الحربين العالميتين على سكان الهند، واكتشافهم أنفسهم في لجّة الحرب، بطريقة أو أخرى، دون أن يكون لهم أي رأي أو قرار أو اختيار.

المصدر : الجزيرة