* أمير تاج السر

من المعروف في هذه الأيام، انتشار فيروس إيبولا، الذي يسبب الحمى النزيفية، بطريقة لم ينتشر بها من قبل أبدا، بالرغم من اكتشافه في جمهورية الكونغو عام ١٩٧٦، وهبوبه عدة مرات قبل هذه المرة، التي أثار فيها الرعب في جميع أنحاء العالم، وأثر اقتصاديا وتجاريا وزراعيا وتنمويا على دول كثيرة، كانت تعتاش من السفر وتصدير بعض المواد.

وهكذا، يصبح الرعب المرادف لهذا الفيروس في هبّته هذه، ليس أفريقيا بحتا كما كان في الماضي، بل عالميا باتساع الكرة الأرضية. وفجأة أصبح ذلك الفيروس المغمور شهيرا جدا لدرجة أن أطفالا صغارا باتوا يعرفون عنه الكثير ويسألون عن هويته.

الرواية جزء من حقيقة الوجود في العالم، أعني رواية القصص، وهي سلوك موجود ومترسخ منذ القدم، ومرادف للمجتمعات كافة، وكانت المرويات الشفاهية في الماضي -تلك التي تتحدث عن البطولات والمآثر، وتؤرخ للحروب والمجاعات- هي قوت الأذهان للشعوب، ووسائل ترفيه جيدة، خاصة حين تجد راوية موهوبا يعمل على تفعيل خياله ويهبنا نصا شفاهيا جذابا.

تطور أمر الروايات بمرور الزمن، لتخرج من أغراضها المألوفة، أو لنقل لتستخدم الأغراض القديمة وتطورها وتزيد عليها من خيال مؤلفين متمرسين، وتنشر في كتب ليتلقاها قراء متمرسون أيضا، وهكذا تصبح النصوص الحديثة، هي الأكثر خلودا

وبالتأكيد تطور أمر الروايات بمرور الزمن لتخرج من أغراضها المألوفة، أو لنقل لتستخدم الأغراض القديمة وتطورها وتزيد عليها من خيال مؤلفين متمرسين، وتنشر في كتب ليتلقاها قراء متمرسون أيضا، وهكذا تصبح النصوص الحديثة هي الأكثر خلودا.

من الوظائف التي ابتكرها الخيال وأضافها للرواية قدرة الروائي على رصد حدث ما والتنبؤ بنتائج ذلك الحدث مستقبليا.

وكما نعرف كلنا، فإن هناك روايات تحدثت عن أعماق البحار، وغزوها بآلات ما، وتأتي الغواصات بعد ذلك لتؤكد ما حققه الكاتب بخياله. وهناك روايات تحدثت عن الفضاء وما فيه من عجائب، وتأتي غزوات الفضاء اللاحقة، لتؤكد ما قالته الروايات التي كتبت بجزء من الحقيقة وأجزاء متعددة من الخيال. وعلى هذا النسق توجد أعمال تحدثت عن فيضانات وزلازل، وحروب ومجاعات، وتشرد، وأشياء أخرى مريعة، ويتحقق بعضها بعد ذلك.

أود القول بأنني كنت محظوظا جدا حين استمعت لقصة فيروس إيبولا، منذ أكثر من عشرين عاما، في عيادة صغيرة ضيقة ومكدسة بالأدوية الخاصة بالهلال الأحمر، في حي بعيد من مدينة بورتسودان الساحلية، شرقي السودان، حين كنت أعمل في المستشفى، وظهرت سلالات من مرض الملاريا المستوطن هناك مقاومة لعقار الكلوروكوين الذي نستخدمه في العادة، وكان لا بد من البحث عن عقار الكينين أو الكينيا الذي يقضي على الملاريا ولكنه عقار خطر، عقار مجرم، قد يدمر شيئا من حيوية الجسم، أثناء استخدامه، وكان ينتج بحرص شديد وفي الغالب لا يستخدم إلا عند الضرورة القصوى.

في تلك العيادة الفقيرة عثرت على حقن الكينيا الكنز وعثرت على كنز آخر لم أكن أتوقعه أو أسعى إليه، حكاية إيبولا، من الطبيب الجنوبي، الذي كان موجودا في العيادة الفقيرة، وسبق أن كان في أنزارا بجنوب السودان عام ١٩٧٦ حيث كان الفيروس نشطا وشرسا وبلا قلب، قضى على كل مظاهر الحياة في أنزارا، لكن الطبيب لم يمت ربما لأن رواية عن فيروس إيبولا ستكتب بعد خمسة وثلاثين عاما من تلك الهجمة.

تلك القصة القديمة، كانت مجرد محرض لتكتب قصة موازية يعمل عليها الخيال، ونجد ما يحدث اليوم هو ما حدث في النص. لقد أردت بهذه القصة وأعني قصة استلهامي رواية إيبولا أن أتحدث عن الدور الكبير الذي يلعبه خيال الكاتب في رصف الحقائق ونتائجها، في قول ما حدث وما يمكن أن يحدث مستقبلا لو سار النص بحسب رؤية الكاتب.

لقد لاحظت، أن هناك من كتب الأمراض والكوارث، بطريقة أدبية، أي قصد الإمساك بمرض ما، من دون أي إيحاء، أو ضغط كبير من رواية تود أن تكتب، وغالبا ما يكتب هذا النوع أطباء يملكون شيئا من روح الأدب، وغالبا أيضا ما يكون إنتاجهم هنا خاليا من الإبداع الكبير

صحيح أن الكتّاب وهم يشتغلون على نصوصهم، يبدون مولعين برواية الحكايات، بإيجاد مخارج أو نهايات ملائمة لطرق كثيرة سلكوها داخل النصوص، وتلك النهايات بالتحديد، ما قد ينفتح فيها طريق أو حتى زقاق صغير يسافر إلى المستقبل، لكن ومع ذلك كله، هل من وظيفة الكاتب التثقيف علميا ليصل إلى نتائج في مثل هذا النوع من الروايات؟

أعتقد نعم، لأن المفترض أن الكاتب هنا يتحدث عن أمراض أو كوارث لها أسماء ووجود، ونشاط وتاريخ، هو في البداية يثبت وجود أبطاله من تلك الأمراض، ثم يتخيل نهاياتها بعد ذلك، لأن هناك دائما من يتقصى ومن يبحث عن آثار الجهل في كل إبداع، وأيضا هناك من يقرأ للمعرفة، وينبغي أن يعرف بصدق.

لقد لاحظت أيضا، أن هناك من كتب عن الأمراض والكوارث بطريقة أدبية، أي قصد الإمساك بمرض ما من دون أي إيحاء، أو ضغط كبير من رواية تود أن تكتب، وغالبا ما يكتب هذا النوع أطباء يملكون شيئا من روح الأدب، وغالبا أيضا ما يكون إنتاجهم هنا خاليا من الإبداع الكبير، هي تعريفات وحكاية لمريض بمرض ما، يدخل المستشفى، يفكر، يشفى أو لا يشفى، ويموت أو يعيش معاقا، وهكذا.

وهناك كاتب وطبيب أميركي له عدد كبير من الروايات المستقاة من الأمراض المزمنة، مثل الزهايمر، ومرض باركينسون، ووهن العضلات، والتشنجات، لكني قرأت بعضا من تلك الروايات، ولم أتفاعل معها.

كثيرة هي المواضيع الي يمكن أن نستلهم منها الكتابة بالطبع، ومواضيع الكوارث والأمراض برغم ندرة استخدامها، تبدو في رأيي مواضيع خصبة ويمكن أن تجد قارئا متذوقا، والناس في سعيهم للقراءة يحبون كل ما هو كارثي، فقط من المفترض أن تكتب بأسلوب بعيد عن الجفاف العلمي، لأن جانب المتعة في القراءة الروائية مهم جدا، بقدر أهمية الرواية، في إيراد المعرفة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة