ميرفت صادق-البيرة

بين مجموعة "استكشاف" رسمتها الفنانة مجدل تنيل تحت القصف في الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وصور لفتيات فلسطينيات في مدارس اللاجئين بعد نكبة فلسطين عام 1948؛ انطلق بينالي قلنديا الدولي ليضيء تجربة الأرشيف الفلسطيني بين الماضي والحاضر.

وتحت عنوان "الأرشيف حياة ومشاركة" بدأت في مدينتي البيرة وغزة في الأيام الأخيرة فعاليات قلنديا الدولي في نسخته الثانية، وهو أضخم تظاهرة فنية وثقافية فلسطينية شاركت فيها 13 مؤسسة ثقافية وعشرات الفنانين المحليين والأجانب.

ويقدم قلنديا الدولي (من 22 أكتوبر/تشرين الأول وحتى 15 نوفمبر/تشرين الثاني) مجموعة من المعارض تستكشف معظمها موضوع الأرشيفات، وأبرزها معرض "غزة 87" لمجموعة التقاء وشبابيك للفن المعاصر، ويشارك فيه عشرة فنانين يحاولون إلقاء الضوء على أرشيف غير موثق حول الحياة اليومية في غزة أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.

ويستند القائمون على الحدث إلى مقولة مؤلف كتاب "إعادة اكتشاف فلسطين" المؤرخ بشارة دوماني: "لا يزال الفلسطينيون غير قادرين على إيقاف المحو المستمر والمتسارع للأرشيفين: المشهد الطبيعي، وعلاقات الحياة اليومية وروابطها التي تشكل بناءً اجتماعياً عضوياً".

إطلاق بينالي قلنديا الدولي في مدينة البيرة تحت عنوان الأرشيف حياة ومشاركة (الجزيرة)

دور الأرشيف
وينطلق " قلنديا الدولي" في طرحه لتجربة الأرشيف الفلسطيني لما تعرض له هذا الميراث من سلب وضياع، ويحاول الحدث تعزيز دور الأرشيف في الصياغة الجمعية لماضي فلسطين وحاضرها وتشكيل مستقبلها من خلال إتاحة وصول أكبر جمهور ممكن لهذا الأرشيف والاطلاع عليه في عروض وندوات بكافة مدن فلسطين التاريخية.

وبحسب مدير جمعية الثقافة العربية في حيفا إياد البرغوثي فإن موضوع الأرشيف كمادة فكرية يسعى إلى إثارة موضوع إهمال الأرشفة في سياق الدفاع عن الرواية الفلسطينية في الصراع مع إسرائيل التي وضعت طاقات هائلة لحفظ الأرشيف (ومن ضمنه الوثائق الفلسطينية المصادرة).
 
كما يرى البرغوثي أن موضوعة بينالي قلنديا لهذا العام تشكل دعوة كي لا يظل الأرشيف الفلسطيني مجرد وثائق ومواد مغلقة، بل تحويله إلى مادة حية بين أيدي العاملين في القطاع الثقافي وللجمهور عامة.

أرشيف رام الله
وبدأت بلدية رام الله مشروعا لحفظ أرشيف المدينة وتجميعه وفهرسته يدويا ورقميا منذ عامين تقريبا. وتقول مسؤولة البرامج الثقافية في البلدية فاتن فرحات إن المشروع يمتد منذ تأسيس بلدية رام الله قبل مائة عام منذ الحكم العثماني وحتى اليوم بهدف إعادة إنتاجه وتقديم تاريخ المدينة في الفضاءات العامة من خلال معارض وندوات للجمهور.

وترى فرحات أن رام الله تبدو حديثا وكأنها مدينة دون تاريخ، بدأت بإقامة مقر السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو عام 1993. ويهتم مشروع الأرشيف بنفي صفة المدينة الطارئة وإعادة الثقة بدورها ومكانتها التاريخية.

من جهتها، تقول الفنانة وأستاذة الفن والعمارة الإسلامية بجامعة بيرزيت، فيرا تماري، إن إعادة بعث الأرشيف الفلسطيني تجربة مهمة جدا بعد حالة الضياع التي شهدها ولا زال الموروث الثقافي والاجتماعي الموجود في الوثائق.

يعتبر مخيم قلنديا للاجئين الذي أقيم على أرضها بعد النكبة، الوجه الحاضر للبلدة الغائبة التي شطرها الجدار نصفين بعد عام 2002

الحاضر والماضي
ويستلهم الحدث الثقافي اسمه من قرية "قلنديا" (11 كلم شمال مدينة القدس) ويرى فيها مثالا لمفارقات الواقع الفلسطيني حيث طغت سياسات الاحتلال الحاضرة على تاريخ المكان الأصلي.

تقول فداء توما من مؤسسة رِواق -التي تختص بترميم المباني القديمة- إن استخدام قلنديا عنوانا للتظاهرة الفنية محاولة لتوظيف هذا الاسم من مستويات دلالية متعددة ومتناقضة وما قد ينتجه من تداعيات مختلفة في الذاكرة.

وعرفت بلدة قلنديا تاريخيا بمطارها الدولي الذي كان يستقبل عشرات الرحلات يوميا ويربط فلسطين بالعالم قبل الاحتلال الإسرائيلي، لكن الذاكرة باتت تربط قلنديا اليوم بعدوانية حاجز إسرائيلي حمل اسمها وصار رمزا للتسلط على حياة الناس وحركتهم.

كما يعتبر مخيم قلنديا للاجئين الذي أقيم على أرضها بعد النكبة الوجه الحاضر للبلدة الغائبة التي -أيضا- شطرها الجدار نصفين بعد عام 2002.

المصدر : الجزيرة