ياسين بودهان-الجزائر

يسعى الروائي الجزائري أمين الزاوي من خلال روايته الجديدة "الملكة" لمساءلة الوجود العاطفي والثقافي والجنسي والاجتماعي للجالية الصينية بالجزائر، وهي الجالية التي يتأكد حضورها وتأثيرها على سلوكيات المجتمع الجزائري يوما بعد يوم.

رواية "الملكة" هي حكاية امرأة جزائرية فاتنة اسمها "سكورا"، مطلقة تجر خلفها تجربة زواج مريرة، من إطار في مؤسسة جزائرية كبيرة، تسقط في عشق "يوتزوصن" الصيني الذي يعمل في شركة بناء بمدينة الجزائر العاصمة، وتعيش معه السعادة الكبرى التي افتقدتها مع الرجل الجزائري.

فمع هذا الصيني تتحرر البطلة من كل ما عانته من عقد الرجل الجزائري المتميز بالهيمنة وبالذكورة الخارجية، تجد البطلة في عشيقها الصيني الغريب فضاء لحريتها واستعادة إنسانيتها في القول والعاطفة والجسد، مع هذا الصيني لا تعيش المرأة عقدة أو انحباسا كذاك الذي كانت تجده مع زوجها الجزائري، فمع الصيني تؤسس البطلة ذاكرة مشتركة جديدة، حيث الحرية والحلم والترقب والشفاء من أمراض هيمنة الرجل الجزائري.

الرواية تكتشف معاناة هذه المرأة أمام رفض المجتمع الجزائري لمثل هذه العلاقة الغرامية، ولكن البطلة تصر على موقفها وتواجه الجميع بقوة الحب والتحدي.

رواية "الملكة" صدرت عن منشورات الاختلاف بالجزائر وضفاف بلبنان، وتقع في 232 صفحة من القطع المتوسط

زيارة للصين
هكذا لخص أمين الزاوي محتوى روايته الصادرة عن منشورات الاختلاف بالجزائر وضفاف بلبنان، والتي تقع في 232 صفحة من القطع المتوسط.

وكشف الزاوي للجزيرة نت أنه بدأ في كتابة فقرات روايته أثناء زيارته الأولى للصين عام 2008، وتحديدا في مدينتي شنغهاي وبكين، وهنا يقول "الملكة حكايتها بدأت هناك، وقد قمت بتحقيقات ميدانية في بعض الأوراش للتعرف عن قرب عن المطبخ العمالي الصيني، وعن يوميات الصيني بمدينة الجزائر العاصمة".

وأوضح الكاتب أن "الملكة" تتناول خصوصيات موضوع وجود "الآخر الصيني" في الجزائر، ليس ذلك الوجود الاقتصادي والتجاري مما يسمى بسوق العمل فقط، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، وهو مساءلة الوجود العاطفي والثقافي والجنسي والاجتماعي لهذه المجموعة الاجتماعية التي بدأ حضورها يتأكد يوما بعد آخر وبدأت تغير من بعض السلوكيات الجزائرية، وتتغير هي أيضا من خلال علاقاتها بالفضاء الجزائري.

وإذا كان بعض النقاد يرون أن الكاتب من خلال عمله قدم نقدا لاذعا للواقع الفكري والاجتماعي لجزائر اليوم، وأنه قدم عملا أكثر جرأة من أعماله السابقة حينما قدم موضوع الجنس بشكل "صادم"، وأدان موقف الشارع والأسرة تجاه الآخر وتجاه المرأة، فإن الكاتب يقول بأن الملكة هي "بحث عن طريق آخر لتحرير وتحرر المرأة الجزائرية، وذلك من خلال تشريح علاقة عاطفية جديدة لم تعرفها الحياة العاطفية الجزائرية".

الزاوي بدأ في كتابة فقرات روايته في زيارته الأولى للصين عام 2008 (الجزيرة)

مساحات أخرى
ويوضح هذه الفكرة بقوله "لقد تعودنا أن نكتب عن العلاقة العاطفية بين الرجل العربي أو المغاربي بالمرأة الغربية الأوروبية أو الأميركية، أو علاقة المرأة العربية بالرجل الغربي، ولكن رواية الملكة جاءت لتفتح القلب على مساحات أخرى من القيم الإنسانية عن طريق علاقة عاطفية عميقة بين امرأة جزائرية ورجل صيني في مدينة الجزائر العاصمة، الرواية تريد أن تقول للجزائري إن العالم أوسع من أميركا وفرنسا".

وعن مدى تأثر الصينيين بالموروث الثقافي الجزائري أكد أن تواجد هذه المجموعة بدأ أولا بالتواجد في مشاريع البناء والأشغال العمومية كفتح الطرقات وغيرها، ثم انتقل إلى الخدمات الصغيرة كالمطاعم والتجارة الهامشية مرورا بسوق السيارات والإلكترونيات، ليصل في الأخير إلى العلاقات الإنسانية، وهي بناء شراكة عاطفية إنسانية، وهذا ما تطرحه الرواية، حسب الكاتب.

قيم
الزاوي: "الملكة" هي بحث عن طريق آخر لتحرير وتحرر المرأة الجزائرية، وذلك من خلال تشريح علاقة عاطفية جديدة لم تعرفها الحياة العاطفية الجزائرية
ويعتقد أن وجود أحياء صينية في مدن جزائرية كثيرة كالعاصمة وسطيف وتيارت وغيرها جعل الصيني ينتقل من المرحلة المادية التجارية إلى المرحلة الاجتماعية الإنسانية التي من خلالها بدأت تنتقل كثير من القيم الثقافية الحياتية الصينية إلى المجتمع الجزائري، كما أن هناك بعض القيم الجزائرية التي بدأ يتعايش معها الصيني في الجزائر. وهنا يقول "حين تبدأ علاقات الحب وعلاقات تتأسس عليها أسر مشتركة صينية جزائرية فاعلم أن الثقافة الجديدة زاحفة".

وعن أسباب احتفاء الصينيين ببعض رواياته السابقة التي ترجمت للغة الصينية قال الزاوي "الصين الثقافية والأدبية عالم له خصوصياته من خلال الكثافة السكانية أولا، ومن خلال التنافسية التي دخلتها الصين عالميا ليس على المستوى الاقتصادي فقط إنما على المستوى الثقافي والأدبي"، فالصين الجديدة -يتابع- "تقرأ ما ينتجه العالم من أدب جديد وبتفتح، وأعتقد أن رواياتي قرئت من هذا المنظور".

أما عن رواية الملكة فقد أكد أن عدة دور نشر صينية اتصلت به سعيا لترجمتها، كما أن هناك بعضا من الجامعيين يتهيؤون لإقامة بحوث عنها، بوصفها -حسب حديثه- أول رواية عربية تتناول علاقة حب من نوع خاص بين جزائرية وصيني.

المصدر : الجزيرة