نزار الفراوي-الرباط

المغربي مجيد بقاس آلاته وأساليبه وأدواته، بتنوع الحوارات اللا محدودة التي ينخرط فيها -من تجربة لأخرى- حتى أصبح الحوار والتجريب والمزج بين الألوان هوية متميزة لفنان ذاع صيته في المحافل الفنية خارج المغرب، في أوروبا وأميركا.

لكل وصلة يعانق آلة: العود -حامل أسرار النغم الشرقي ومالك مفاتيح الوجدان العربي- "الكنبري" -صوت موسيقى- "كناوة" -الصاعد من الأعماق المشبع بنبض الأرواح- ثم "الكاليمبا"، الآلة التي تحلق على تخوم اللقاء بين الإيقاع التقليدي والحديث. لكل حال نغمه وتوليفته الموسيقية المعبرة.

يعتبر مجيد بقاس مبتكر فن موسيقي هجين، يحمل اسم "كناوة بلوز أفريقيا"، وهو مزيج بين إيقاعات فن كناوة ذي الأصول الأفريقية الزنجية، وفن البلوز والجاز الغربي، الذي لا يخلو هو الآخر من تأثيرات أفريقية قديمة.

بات بقاس -المنحدر من الجنوب المغربي- سفيرا لموسيقى الصحراء في سفرها الخلاق نحو تيارات موسيقية عالمية. مشروعه يصب في المحافظة على اللون الكناوي، من خلال فتح مجال التجديد والتلاقح مع الأساليب الحديثة في الأداء. ولا أدل على نجاح مجيد في هذا المسعى من استقطابه لموسيقيين وعازفين عالميين، ممن آمنوا بقوة مشروعه، وانضموا إليه في تقديم أعمال مشتركة لقيت صدى طيبا في كثير من المهرجانات.

في عروض مجيد بقاس -الذي يجمع بين براعة العزف وعذوبة الصوت المطبوع بالشجن- يبدو بوضوح أن "الفيزيون" (المزج بين الألوان الموسيقية) ليس موضة مفتعلة، أو فولكلورية، تتقصد خلق الدهشة لدى المتفرج من خلال الجمع بين آلات وإيقاعات متباعدة المنشأ، وإنما هي صيغة فنية ناضجة ومؤسسة على بحث موسيقي عميق، يثمر على المنصة انسجاما وتكاملا وتواطؤا مثيرا بين الجغرافيات الإيقاعية.

في ألبوم "القنطرة" يصمم مجيد بقاس حوارا فريدا بين آلات العود و"الكنبري"، الطبلة والبانصوري، ثم الساكسفون والكلارينيت. يستعيد من خلال هذا الحوار أجواء وذاكرة الأندلس في التاريخ العربي

ألبوم "القنطرة"
توج مجيد بقاس مشروعه هذا العام بصدور ألبوم "القنطرة" في فرنسا. والألبوم ثمرة تعاون بقاس في إطار ثلاثي مبدع، مع عازف البيركسيون المغربي خالد الكوهن وعازف الساكسوفون البلجيكي مانويل إيرميا. في هذا المشروع، يجسد الفنان الطابع المركب للهوية الثقافية لبلاده، كملتقى للحضارات والتيارات، وحاضن للتقاليد والثأثيرات الجغرافية والإثنية المختلفة، وجسر بين أفريقيا والشرق والغرب.

في "القنطرة"، يصمم مجيد بقاس حوارا فريدا بين آلات العود و"الكنبري"، الطبلة والبانصوري، ثم الساكسفون والكلارينيت. يستعيد من خلال هذا الحوار أجواء وذاكرة الأندلس في التاريخ العربي، كما يسير من قطع "كناوية" على الطريق التجاري والثقافي الذي تقفته الدول المغربية عبر التاريخ في اتجاه جنوب الصحراء، أو ما كان يسمى بلاد السودان.

وكانت مقطوعات "الألبوم" حدث افتتاح مهرجان الجاز بموقع شالة التاريخي (الرباط) الذي تنظمه مندوبية الاتحاد الأوروبي في المغرب. وأكد تفاعل جمهور متعدد الجنسيات مع الحفل الافتتاحي  نجاح هذه التجربة، ذلك أن ألبوم "قنطرة" صنف ضمن الأعمال الموسيقية الخمسة والعشرين الأولى في مجال الجاز، الصادرة في أوروبا.

وكان بقاس قد حاز في بلاده عام 2010 على جائزة الفارابي الخاصة بأساتذة الموسيقى العريقة، التي تمنحها اللجنة الوطنية للموسيقى، وقبل ذلك حصل عام 2004 على جائزة "الجانغو" الذهبي التي تمنح لموسيقيي الجاز في فرنسا، عن ألبومه "موغادور"، وعلى الجائزة الألمانية للجاز عن ألبوم "جواز سفر إلى المغرب" بتعاون مع كلاوس دولدينكر، عام 2009.

مجيد بقاس من مواليد مدينة زاكورة (منطقة صحراوية قرب ورزازات) عام 1957، ونشأ في مدينة سلا. بدأ مساره كعازف على "البانجو" (آلة وترية) عام 1972 في مجموعة شعبية. ابتداء من 1975، بدأ الاهتمام بموسقى "كناوة" الروحية الصوفية، من خلال الاحتكاك بـ"المعلمين" المعروفين في هذا اللون، ثم تعلم فنون البلوز والجاز. وفي عام 1990، أسس فرقة "كناوة بلوز باند" التي كشفت شغفه بالمزج بين الألوان الموسيقية المحلية والغربية.

المصدر : الجزيرة