هيثم حسين

تمزج الأميركية مادلين ميلر في روايتها "أغنية أخيل" بين الأسطورة والتاريخ لتعيد رسم ملامح مرحلة تاريخيّة هامة في تاريخ اليونان، والعالم القديم برمّته، وما كان يتعارك فيه من أحلام وأوهام وأساطير.

وتبرز الرواية بالتوازي مع ذلك ما يعتمل في قلوب البشر من مشاعر جارفة تدفعهم إلى القيام بتصرّفات وأفعال غريبة، أو دمويّة وعنيفة غالباً، لاسيّما في الحروب التي كانت تبدو كأنها حقيقة الوجود حينذاك.

تحاول ميلر في روايتها الفائزة بجائزة الأورانج 2012 ونشرتها دار "أثر" هذا العام بترجمة هياء محمد، اقتفاء سيرة الأمير أخيل الذي كان يشتهر بأنه أسطورة عصره، وأقوى محارب عرفه التاريخ بحسب الأسطورة.

وتعود إلى طفولته وصباه وتسرد العوامل المؤثّرة في نشأته كابن لإلهة كانت تتجسّد في شكل حورية بحر استطاع والده الملك الحظوة بها، وذلك بعد حكاية غريبة بدورها يتداخل فيها الخرافي بالخيالي لتصدير صورة البطل الأسطوري الذي لا يقهر.

استلهمت ميلر التاريخ الإغريقي وأساطيره واستعادت أجواء أثينا والمدن الإغريقية القديمة، وقدمت روايتها على لسان وصيف أخيل وحبيبه باتروكلوس الذي كان ابن ملك أيضاً

استلهام الأساطير
استلهمت ميلر التاريخ الإغريقي وأساطيره -وهي المتخصصة في هذا المجال- واستعادت أجواء أثينا والمدن الإغريقية القديمة، وقدمت روايتها - استغرقت كتابتها عشر سنوات- على لسان وصيف أخيل وحبيبه باتروكلوس الذي كان ابن ملك أيضاً، لكنه نُفي وهو طفل إثر قتله بالخطأ أحد الأطفال.

ويكون السارد منخرطاً في الأحداث، موازياً للبطل ومرافقاً له، ناطقاً بهواجسه ووساوسه، ومستنطقاً أخيل أيضاً، مغنياً أغنيته ومتغنياً بشخصيته وفرادته وحبه المطلق له.

أخيل "المؤسطر" يقع فريسة مشاعر متناقضة تكاد تودي به، تراه ينشد المجد والعظمة والخلود، لكنه في الوقت نفسه يعيش صراعاً محموماً في داخله، بين عشقه لوصيفه وسلطان أسطورته عليه، ثم ضرورة تلبية نداء الواجب والانخراط في الاستعدادات للحرب ضد طروادة، بحيث إنه يجد نفسه في معمعة حرب داخلية لا تقل شراسة عن حرب حقيقية محتدمة، خاصة أنه لا يأبه لقوة خصومه لثقته العظمى بقواه الخارقة، وسرعة حركته ومرونته في المحاربة والقتال.

تبرز ميلر الجشع الذي يقود البشر ويتحكم في تصرفاتهم وأفعالهم، وكيف أنهم يلجؤون إلى اختلاق المزاعم للسير في تحقيق أهدافهم المعلنة ونياتهم المبيتة، ومن ذلك جشع الملك أجاممنون في السيطرة على طروادة، يعميه بريق الذهب فيها، ويتذرع بهرب أميرة إسبارطة هيلين مع باريس ابن ملك طروادة، ويذكّر الأمراء بوعدهم السابق في حماية هيلين حين كانوا قد تقدموا لخطبتها، وكان الاختيار قد وقع على ملك إسبارطة، وضرورة الالتزام بوعدهم.

تلجأ ميلر إلى إحياء الأساطير لتمارس الإسقاط على الواقع، تنبش في أعماق التاريخ لتقدم الحقيقة الروائية، وإن كان ذلك عبر تصوير العوالم الرومانسية بداية، ثم خريطة الدماء المهدورة طيلة عقود من الحروب المتجددة تالياً، في إشارة إلى أن الحروب المحتدمة في أكثر من بقعة في العالم، بذريعة الانتصار للحقّ بحسب الأهداف المعلنة، ما هي إلا طريقة معاصرة للبحث عن الذهب، عن السيطرة والنفوذ، عن أسواق جديدة، مهما كلّف ذلك من أرواح ودماء.

ترمز الروائية إلى دور عواطف كالكره والحب والكبرياء والحسد في تسيير دفة التاريخ، وتعود إلى محركات الأفعال الحقيقية، تلك التي قد يتغاضى عنها المؤرخون في سردهم للوقائع الكبرى، وسرد ما كان يدفع الملوك والرجال إلى الإقدام على فعل بعينه أو الإحجام عنه

وجوه الحب والحرب
ترمز الروائية إلى دور عواطف كالكره والحب والكبرياء والحسد في تسيير دفة التاريخ، وتعود إلى محركات الأفعال الحقيقية، تلك التي قد يتغاضى عنها المؤرخون في سردهم للوقائع الكبرى، وسرد ما كان يدفع الملوك والرجال إلى الإقدام على فعل بعينه أو الإحجام عنه تحت ضغط مشاعرهم وبناء على تفسيرهم للمواقف، وما يمكن أن يشعرهم بالازدراء أو المسؤولية، أو يحتم عليهم المواجهة والمجابهة.

تقدم الكاتبة صوراً مختلفة للحب، الحب المثلي يتبدّى بين أخيل ووصيفه اللذين يتعلقان ببعضهما لدرجة تدفع المحيطين بهما إلى التساؤل عن تلك العلاقة الغريبة التي تجمعهما، وهو الحبّ الذي يؤدي بهما إلى متاهة الحرب والضياع في لجة البحث عن تحقيق المستحيل دون أن يدركا ما يترصّدهما.

بمقابل ذلك تحضر صور أخرى للحب، من ذلك حبّ الرجال للشهرة والمال، وكيف أن التعلق بالشهرة يفقد المرء البصر والبصيرة ويدفعه لارتكاب حماقات كثيرة.

حبّ الوطن بأرقى تجلياته يتجسّد في الرواية عبر عدة شخصيات، كهكتور ابن الملك الطروادي الذي يفتدي بلده وشعبه ويتحدى جبروت الغزاة، وفي دوامة القتال يتراءى له حلمه بمستقبل واعد لابنه.

وكصورة معارضة يحضر حبّ ينغص على المرء عيشته، كحب دادميلا لأخيل وتعلقها به، رغم أنها الأميرة المرغوبة والمطلوبة والمميزة، لكنها تقع في حيرة حبها لأخيل، وتندفع بقوة إلى التشبث به، لكن عبثاً تضيع محاولاتها لأن قلب أخيل متعلق برغبته في تحقيق النبوءة المتعلقة به أن يكون أسطورة عصره. 

تكرر ميلر على ألسنة شخصياتها أن المُلك مسؤولية عظمى، وأن الانقياد للمشاعر وحدها يوقع الملوك في مواقف محرجة لهم ولغيرهم، ويتسبب في تضييع العدالة المنشودة، وكيف أن هناك زلات لا تغتفر، وقد يقع عشرات الألوف ضحايا جراء غلطة ملك في تقدير موقف أو تكبّره وتجبّره وعدم التفاته إلى الواقع ومُوجباته، كحالة الملك أجاممنون وتكبره عن الاعتراف بخطئه وإساءته لأخيل، وما كلفه ذلك من خسائر فادحة في الجيش الغازي لطروادة.

تؤكد الروائية أن الأغنية التي يلهج بها أخيل، أو يلهج بها عشّاقه، هي ترنيمة لهدهدة الثورة الداخلية وصراع الأعماق الشرس.

ثمّ إن أخيل الذي يتحول إلى بطل تنسج من حوله الأساطير وتدبج الأغاني في مديحه والتغني بمزاياه الفريدة، وتضعه في مرتبة متفوقة على غيره، تجتمع الأضداد في شخصه، فهو تارة الأمير الهادئ المتسامح، وتارة أخرى المحارب الفتاك القاتل الذي لا يرتوي من دماء أعدائه.. هو الضحية والجلاد معاً.

تظهر ميلر في روايتها أن هناك أحصنة طروادة كثيرة يمكن التسلل من خلالها إلى النفوس، وأن انهيار جدران الحماية وأسوار الدفاع عن المدن -كما البشر- يتم من الدواخل والأعماق.

وتبرز فداحة الخسارة في الحرب، ومأساة الحصار والقتل العبثي، بحيث إن التغني بالمجد والشهرة يكون على أنقاض مدن مسالمة، وعلى جثث بشر أبرياء يدفعون فواتير الجشع إلى الشهرة والمال، ويكون الخراب منتظراً الجميع، تتهدّم المدينة وتسقط، دون أن يعني ذلك بالضرورة انتصار الغزاة.

المصدر : الجزيرة