غدير أبو سنينة

أين لسجادة حمراء أن تظهر في حي فقير مهمش من أحياء باندرا في الهند؟ وهل بإمكان الناس أصلا شراء سجاد بأي لون ليمشوا عليه بدل المشي فوق أكوام القمامة المتناثرة في كل زوايا الحي؟

نعم، ثمة مكان لسجادة حمراء ستكون مفروشة في مخيلة بطلة فيلم "السجادة الحمراء" للمخرجين مانو فرناندز ولوسو لوبيز.. إنها الطفلة روبينا ذات الاثني عشر عاما والتي تحلم بأن تصير ممثلة تمشي يوما ما على السجادة الحمراء في حفل الأوسكار.

وبعيدا عن المشاهد الباذخة التي اعتدنا مشاهدتها في أفلام بوليود الروائية، يفتتح فيلم "السجادة الحمراء" مشهده الأول على بيوت الصفيح المتراكمة بجانب بعضها البعض عشوائيا، وستظل كاميرته تجول في ذلك الحي الذي يفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، كما هي حال كثير من الأحياء البائسة في الهند.

لقد استطاع الفيلم أن ينقل لنا حالة الحي المزرية على لسان الطفلة روبينا، وبنقله مشاهد لأطفال آخرين هم عصب الحياة في بيوت الحي الصغيرة التي يتسع الواحد منها -عنوة- لنحو عشرة أفراد.

سنرى كيف يحوّل الأطفال السكك الحديدية المليئة بالقمامة إلى أماكن للعب، وكيف تتحول بئر الماء إلى بركة صغيرة تصلح للقفز والسباحة رغم قذارتها، لكنهم يغادرونها حين تنمو فيها الأعشاب وتكثر الأفاعي منتظرين سقوط الأمطار الموسمية ليستحموا مباشرة في المياه الطبيعية رغم الأمراض التي تنتشر بسببها.

تواصل روبينا حديثها عن الحشرات الكثيرة التي تتكاثر في موسم سقوط تلك الأمطار وعن إصابتها وسكان الحي -كبيرهم وصغيرهم- بأمراض مختلفة بسببها، محتفظة دوما بوجهها البشوش الذي يصر على تجاوز جميع الظروف الاقتصادية والصحية السيئة للوصول إلى "السجادة الحمراء".

لا شوكولاتة للأطفال
نندهش من قدرة الفتاة على الاحتفاظ بالأمل في ظل تلك الظروف التي يعتبر فيها حصول الطفل على قطعة شوكولاتة أمرا مستحيلا. مع هذا فهي لا تفكر في الشوكولاتة كثيرا لأن إحضارها لن يغير من الواقع شيئا كما تفعل سجادتها الحمراء.

نندهش من قدرة الفتاة على الاحتفاظ بالأمل في ظل تلك الظروف التي يعتبر فيها حصول الطفل على قطعة شوكولاتة أمرا مستحيلا. الشوكولاتة لن تغير من الواقع شيئا كما تفعل سجادتها الحمراء

وبملابسها الحمراء المهلهلة، وخلال قرابة 12 دقيقة هي مدة الفيلم، تروي روبينا وحدها -وبوجه طفولي مبتسم- تفاصيل حياة الأطفال في حي غريب نغار، ملخصة المأساة التي يعاني منها سكانه، دون أن نلمح من كلامها آثار شكوى أو تذمر.

إنها تتحدث عن شوارع الحي باعتبارها البيت الكبير الذي يجتمع فيه الأطفال بعد عودتهم من المدرسة. ثم إنه المتنزه الذي يقضون فيه أيام الإجازات كاملة. الأطفال يصبحون في الحي عائلة واحدة، والبيوت تصبح ملكهم جميعا حينما يلعبون لعبة "الاستغماية" ويتخذون من بيوت الحي كافة، مخابئ يلجؤون إليها كيفما اتفق.

ورغم أننا كمشاهدين لن نصاب إلا بالإحباط ثم التعاطف مع هؤلاء الأطفال، فإن وجه روبينا ومن معها سيمنحوننا انطباعات أخرى ويأخذوننا بعيدا حين نرى الأمل الذي يبرق في عيونهم عبر الكاميرا التي تقترب كثيرا -خلال الفيلم- من الوجوه الصغيرة التي تظهر الواقع بصوت بريء.

تصالح روبينا مع نفسها ووضعها ومن حولها لا يجعلها تقنع بما لديها، بل إن طموحها يكبر ويزداد لأنها تظن أن وصول أي من أبناء الحي إلى السجادة الحمراء في الأوسكار سيحسن بلا شك من أوضاعه البائسة، تلك الأوضاع التي جعلت فتاة كروبينا تفكر بطريقة إيجابية، فهي لا تطمح أبدا إلى ترك الحي، بل تفكر في الطريقة التي يمكن أن تجعله مكانا أفضل للعيش.

حلم وبيت يحترق
فرصة صغيرة يمنحها مخرجا الفيلم لروبينا لكي تكون مخرجة -بدلا منهما- لثوان معدودة، حين تمسك لوحة تصوير المشاهد وتقول بطريقة تمثيلية تنهي بها الفيلم "اسمي روبينا، أعيش في باندرا، هذا ليس فيلما، إنها قصة حياتي".

تحقق حلم روبينا، لكن الحي الذي تسكنه احترق عام 2011 بعد عرض الفيلم التسجيلي السجادة الحمراء، ليصبح أكثر من ألفي شخص دون مأوى، ومن بينهم عائلة روبينا

لكن قصة حياتها ستزداد إثارة عندما نعلم أنها استطاعت الوصول إلى السجادة الحمراء وبسرعة البرق، حين اختيرت عام 2009 من بين آلاف الأطفال لتشترك في تمثيل الفيلم الهندي "المليونير المتشرد" الذي حصد ثماني جوائز أوسكار.

لكن أحلاما كهذه لن تسعف حيا كاملا يحتاج إلى مجهود حكومي حقيقي يقلبه رأسا على عقب. النيران فعلت ذلك حين احترق الحي عام 2011 بعد عرض الفيلم التسجيلي "السجادة الحمراء"، ليصبح أكثر من ألفي شخص دون مأوى، ومن بينهم عائلة روبينا نفسها.

الأمل والإصرار سيظلان شريكين مخلصين لروبينا التي أنهت دراستها الثانوية في باندرا، لكنها ما زالت تكافح من أجل تحقيق حلمها الأكبر في احتراف التمثيل.

المصدر : الجزيرة