محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

ودعت العاصمة السودانية الخرطوم بالأمس الشاعر والأكاديمي الأستاذ الدكتور محمد الواثق، الذي يعد أحد أشهر شعراء السودان في العصر الحديث.

ويعتبر الراحل من الشعراء المثيرين للجدل، إذ انتهج في شعره منهاجا غير مسبوق في كتابة القصيدة، وكان هجّاء للمدن، وتميز بإجادة هذا الضرب من ضروب الشعر الذي أوصله يوما إلى السجن، إذ فتحت ضده بلاغات من أبناء بعض هذه المدن.

ومن أشهر هذه المدن التي كتب عنها بلسان البلاغة الفصيح العاصمة الوطنية للسودان أمدرمان ومدينة كوستى الواقعة جنوب العاصمة الخرطوم. 

ولد الراحل بقرية "النيّة" شمال الخرطوم عام 1936، وتخرج في جامعة الخرطوم كلية الآداب بمرتبة الشرف الأولى عام 1963 وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة كمبردج البريطانية عام 1967 ببحث عنوانه "المسرح العربي القديم".

وصدرت له عدة كتب، أشهرها ديوانه "أمدرمان تحتضر"، وكتاب في السيرة الذاتية عن رئيس وزراء السودان الراحل الشاعر والقانوني محمد أحمد المحجوب، كما أنجز كتاب "مختارات من الشعر العربي السوداني" وقدم له.

العباسي: الراحل الواثق يحتل مكانة بارزة في طليعة شعراء السودان (الجزيرة نت)

هجاء المدن
يقول النقاد إن الراحل الواثق قد انتهج أسلوب النقد والهجاء للمدن بقصد العودة بالقصيدة العربية إلى أزمنة سابقة عندما كانت تتحدث بلسان المجتمع مع الاحتفاظ برصانة اللغة وكلاسيكية المفردة، وكان يهدف من وراء ذلك إلى إعادة مجد المدينة السودانية بإنسانها وأصالته وفصاحته وانفتاحه ثقافيا على محيطه العام. 

في دراسته الأكاديمية وتلمذته على يد الراحل البروفيسور عبد الله الطيب الذي كان يعتبره خليفة له، انتهج الواثق في دراساته عدم اليقينية بالثوابت المحفوظة حول أدب وحياة الكثير من شعراء وكتاب السودان.

وكانت له صولات وجولات حول حياة وشعر الراحل التجاني يوسف بشير صاحب ديوان "إشراقة" وأحد كبار مجددي الشعر العربي الحديث ،إذ يرى الواثق أن التجاني متأثر بالشعر الجاهلي أكثر من تأثره بلغة القرآن.

ويقول الأديب الكاتب أسعد الطيب العباسي إن الواثق يعد من أوثق أركان مدرسة "ألون أوتو" الأدبية وأعلم أعضائها وأشهرهم وأطولهم باعا، وهذه المدرسة أسهم في تأسيسها الراحل البروفيسور عبد الله الطيب.

 عيدروس: صراحة الراحل الواثق في هجاء المدن جرت عليه المشاكل (الجزيرة نت)

مكانة بارزة
وأضاف العباسي أن أطروحة الواثق التي حاز بها درجة الدكتوراه كانت بعنوان "خيال الظل" عن المسرح العربي القديم، مشيرا إلى أن الواثق يحتل مكانة بارزة في طليعة شعراء السودان، فقد عاد بالشعر إلى التراكيب العربية القديمة، وظل وفيا لشكل القصيدة العربية الأصيلة خصوصا عندما علت أصوات مدرسة التحديث في الشعر العربي وجلجلت. 

وقد أجمع النقاد على أن شعر الواثق صحيح الملكة، كثيف الموهبة، وأنه عالم بدروب اللغة مدرك لشعابها. ويذهب الناقد مجذوب عيدروس إلى أن محمد الواثق من طينة كبار الشعراء في السودان، وأن صراحته في كتابة الشعر -وخصوصا هجاء المدن- قد جرت عليه الكثير من المشاكل مما حجب رؤية موهبته الفذة في كتابة الشعر الكلاسيكي العربي. 

وأشار عيدروس إلى أهمية قراءة الواثق بعيدا عن ظلال معاركه الأدبية. وأضاف أن أطروحته حول المسرح العربي القديم أثارت جدلا كبيرا في بريطانيا وكذلك مختاراته عن الشعر العربي السوداني.

وقال إن الراحل أسهم في تأسيس "معهد عبد الله الطيب للغة العربية" بجامعة الخرطوم، وشغل منصب أول مدير للمعهد، كما شارك في مهرجانات أدبية عربية عديدة خارج السودان.

عامر محمد أحمد: الراحل الواثق ظل وفيا لشعر البيئة العربية القديمة (الجزيرة نت)

حطيئة الشعر السوداني
بدوره، يقول الناقد عامر محمد أحمد إن قصائد هجاء المدن التي رسمها الواثق كانت بمثابة جرعة ثقافية لإعادة النظر في الكثير من تبدلات وتحولات المجتمع السوداني، إذ انتهج منهاج "الحطيئة" شاعر الهجاء الأول في الشعر العربي، وظل الواثق وفيا لتقاليد وشعر البيئة العربية القديمة.

وأضاف عامر أن الراحل الواثق في دراساته الأكاديمية كان لا يكتفي بالمعروف بالضرورة عن الكتاب والشعراء مما أدخله في كثير من المعارك مع أقرانه وأهل الكتاب والشعراء، مشيرا إلى أن رؤية الواثق النقدية تتوافق مع مدرسة زكي مبارك مع الابتعاد عن نرجسية المعارك الأدبية.

تجدر الإشارة إلى أن الراحل محمد الواثق قد شغل منصب عميد معهد الموسيقى والمسرح السوداني، وعمل أستاذا وعميدا بكلية الآداب بجامعة الخرطوم، وظل أستاذا بها حتى رحيله. 

وكان للراحل حضور متميز وبارز في الندوات الأدبية، لما كان يثيره من أسئلة وصراحته الأكاديمية عالية النبرة والواثقة من معلوماتها. يقول الواثق في إحدى قصائد ديوانه "أمدرمان تحتضر":

يا بعض أهلي سئمت العيش بينكم

وفي الرحيل لنا من دونكم وطر

سألتك الله رب العرش في حرق

إني ابتأست إني مسني الضرر

المصدر : الجزيرة