هيثم حسين

يركز العراقي شاكر نوري في روايته "جحيم الراهب" على تقديم صور من التسامح الديني بالموازاة مع التصارع الإثني والطائفي في بلاد الرافدين.

ويستعرض نوري تاريخ الآشوريين، والدور التاريخي اللافت الذي لعبوه في الحضارة المشرقية والعالمية، سواء من باب وضع القوانين الأولى للبشرية، أو التأثير في اللغات والشعوب والحضارات التالية.

كما يرصد في روايته التي نشرتها شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت هذا العام، مفارقات من الواقع القاسي، ويستشرف كيف تتوجه المنطقة إلى تأجيج العصبيات والقبليات البائدة، وتأثير ذلك على التنوع الحضاري الذي عرفته أرض الرافدين، وما ساد فيها من تسامح وتآخ وتحاور وتجاور، خشية أن يظل ذلك كله في مهب الاقتتال والاحتراب، لا سيما بعد الاحتلال الأميركي للعراق وما تبعه من ويلات فاقت جرائم الاستبداد.

ويُبرز السارد أن "التهجير أو الموت" هو المصير الذي يتربص بالآشوريين في الموصل، وهو مصير لا يخلو من عبثية فاقعة لأن السعي للقضاء على التنوع الذي ظل يسم المدينة ينزع عنها صفتها المدنية ويبقيها رهينة التعصب الأعمى، ويفرض عليها وصاية طائفية في زمن يفترض به تقبل الآخر والتشارك معه في المصير والمستقبل.

رحلة إلى الفاتيكان
بطل الرواية الراهب "إسحق" يسافر من مطار بيروت إلى روما لتقديم أطروحته في الفاتيكان، وأثناء الرحلة التي تدوم بضع ساعات، يستعيد عقودا من حياته السابقة، وحياة كثيرين ممن صادفهم وعايشهم وتأثر بهم، وفي مقدمتهم الراهب الآشوري العراقي "جوزيف" كبير دير الأيقونات في لبنان.

بطل الرواية الراهب إسحق يسافر من مطار بيروت إلى روما لتقديم أطروحته في الفاتيكان، وأثناء الرحلة التي تدوم بضع ساعات، يستعيد عقودا من حياته السابقة، وحياة كثيرين ممن صادفهم وعايشهم وتأثر بهم

يختار "إسحق" سلك الرهبنة، وهو مسلم عراقي هرب من بلاده في فترة الحرب، وكان يحلم بالهجرة إلى أوروبا، ذاق المرارات في طريق الوصول إلى لبنان، فقد ابن أخته على الحدود، تعرض للسجن والتعذيب والإذلال في دمشق وبيروت، وفي لحظة يأس وبعد انسداد الأبواب في وجهه، عمل بنصيحة أحدهم ولجأ إلى دير هو أشبه ما يكون بملتقى للآشوريين العراقيين في لبنان ومحطة قبل انتقال كثيرين منهم إلى مهاجرهم ومنافيهم.

ويقضي "إسحق" سبع سنوات في الدير، يتدرج في الرهبنة ويغدو الصديق المقرب للأب "جوزيف" الذي يكشف له عن هويته الحقيقية وما يقض مضجعه منذ عقود. يكشف أنه راع هارب من قرية "مركا" في الموصل، وذلك بعد أن قتل واحدا من اللصوص الذين حاولوا التعدي عليه ونهب قطيعه الصغير.

كان "جوزيف" قد اقترن بسيسيل التي كانت أرملة صديقه الذي قتل في الجبهة، وتكفل برعايتها وبناتها الثلاث، وأصبح راعي الأسرة الصغيرة، وهرب بمساعدة من الأب "مار يوسف" الذي أنقذه حين انتشر خبر قتله لأحد اللصوص، إذ كانت عشيرة اللص قد قررت الانتقام له، في مناصرة جاهلية للثأر ممن تعرض للظلم دون إيلاء الاعتبار للأسباب والدوافع.

واضطر "جوزيف" للخروج من قريته متنكرا بزي راهب، هجر زوجته الحامل وبناتها ومضى إلى لبنان، وهناك أسس دير الأيقونات وأصبح راعي الدير، وكانت له آراء انفتاحية تعارض توجه الفاتيكان، مما أوقعه في صدام مع سلطة الفاتيكان التي حاكمته بتهمة الهرطقة. وكان قد جعل من دير الأيقونات عالما بذاته، يتعامل بطيبة وكرم مع الجميع، يحتضن من يلوذ به، يفسح له المجال لمراجعة ذاته والتأقلم من جديد مع عالمه.

رداء الكاهن لم يمنع الراهبين "إسحق وجوزيف" من التفكير بحرية والتحليق في عوالم الفن والأدب، بل كان حاميا لهما من الشرور المتربصة بهما، وساعدهما على تخطي كثير من القيود والحدود، ومهد لهما الطريق لبلوغ بر الأمان، كل واحد منهما بطريقة مختلفة.

البحث عن الفردوس
ينقل نوري أكثر من صورة تمثل نقائض في واقع مأساوي. جانب التسامح الديني يمثله الأب جوزيف الذي يعكس عشق الحياة، فهو عاشق للحياة والموسيقى والفن، ومحب لأسرته، لكنه يضطر لارتداء الثوب الكهنوتي لإنقاذ أسرته ونفسه، ومن ثم يساعد كثيرا من التائهين، ويأخذ بيدهم موصلا إياهم إلى شواطئ الأمان.

يكشف شاكر نوري أنه رغم ما قد يتعرض له المرء من ظلم فإنه لا يحمل الحقد ولا يسعى للثأر، بل يعتنق طريق الغفران والتسامح ويكون سلوكه تعويضيا، إذ يلجأ إلى وسائل لإيقاف الضغائن لا تأجيجها

ويكشف صاحب "مجنون بوكا" أنه رغم ما قد يتعرض له المرء من ظلم فإنه لا يحمل الحقد ولا يسعى للثأر، بل يعتنق طريق الغفران والتسامح ويكون سلوكه تعويضيا، إذ يلجأ إلى وسائل لإيقاف الضغائن لا تأجيجها. وأصبح بطله المثال للراعي المخلص الفادي، جسد التضحية في حياته قولا وفعلا، وأنقذ كثيرين من آبار الشك والضياع التي كانت تتربص بهم وتنتظرهم.

وينقل الروائي الصراع الذي يحتدم في قلب الإنسان وروحه "جوزيف وإسحق نموذجا"، وكيف يقع فريسة الزمن الذي يقسو عليه، يحاول تكييف الظروف وتطويعها، يظل على عهده في رعاية المحيطين به، يأخذ على عاتقه مسؤولية النهوض بهم وإنقاذهم، يبقى محروما من رؤية أهله، ويسلك بعده طريق الهجرة هربا من القبر المفتوح الذي يحصد الأبرياء.

يفترض خطاب الرواية المضمر أن إسحق هو الوجه الآخر لجوزيف، يتأرجح في عوالم الشك، يعيش جحيمه وفردوسه، ينقل صدى أفكاره إلى الآخرين، يؤثر فيهم، يعيش رحلته بين الشك والإيمان، ينزع عنه رداءه الكهنوتي أخيرا حين يصل إلى روما، يقرر الاستمتاع بالحياة، يبحث عن فردوسه المفقود بعيدا عن الجحيم الذي عاشه بداخله في رحلة البحث عن الذات، الرحلة التي كشفت له قوة الإنسان وصلابته في مواجهة محن الحياة، وأظهرت له وحدة الجوهر الإنساني، وضرورة تجاوز القيود التي تفصل بين البشر، في مسعى للتكامل والبناء لا للتفتيت وتعميم الخراب.

وتذكّر شخصية الراهب الإشكالية في رواية شاكر نوري بشخصيات روايات خاضت غمار الثورة والتمرد والصراع والشك والتنقيب في الدواخل وفي بطون الكتب وعتمات النفوس وداخل الأديرة، وسبرت الخفايا واكتشفت كثيرا من التفاصيل والوقائع، كشخصية "حسن الوزان" في رواية "ليون الأفريقي" لأمين معلوف، و"غوليالمودا باسكارفيل" بطل رواية "اسم الوردة" لأمبرتو إيكو، والراهب "هيبا" في رواية "عزازيل" ليوسف زيدان. 

المصدر : الجزيرة