* إبراهيم صموئيل

في إحصاء بسيط لأعمال فئة معيّنة من الكتّاب يمكن أن يتبين لنا أن عدد الكتب الصادرة عن كاتب منهم يساوي عدد سنوات عمره منذ ولادته، بل ولدى البعض من تلك الفئة ما يزيد عن ذلك, إذ يمكن أن نحصي ستين إلى سبعين كتابا صادرا لكاتب لم يتجاوز عمره خمسين عاما!

ولإنجاز هذه الأعداد الضخمة لا بد للكاتب، بالطبع، من أن ينكب على الكتابة يوميا، ولساعات عديدة يحددها لنفسه، ومن ثم يلتزم بها التزاما دقيقا، من دون انقطاع أو توقف إلا لضرورات قصوى تفوق إمكانيته على تجاهلها، وسوى ذلك فإنه لن يكف عن الكتابة, كما لو كان في مؤسسة تشترط عدم التغيّب!

كتّاب هذه الفئة -أو بهذه القدرة إذا شئنا- تثير استغراب العديد من القراء والنقاد والمثقفين، وتكون موضوع حديث وتبادل للآراء في اللقاءات والنشاطات الثقافية، سواء بسبب من كمية الكتب الصادرة عنهم وقصر المدة الزمنية الفاصلة بين مطبوع وآخر, أو من جَلَدِهم -وفق ما يروي المستغربون- ومواظبتهم على الكتابة يوما بعد يوم بلا انقطاع!

مردُّ الاستغراب أن الكتابة -خاصة في الحقول الأدبية الإبداعية من شعر وقصة ورواية- وثيقة الصلة والارتباط بمزاج الكاتب، وحالته النفسية لحظة الكتابة، وشعوره بالتعطش, لأن الرغبة لا تحلّ على الدوام مما يضطره للتريث أو التأجيل الطويل أحياناً كثيرة.

يدل على ذلك أن أي اعتكار بسيط, أو خبر مقلق، أو انقضاء للوقت، أو تغيّر في المكان، أو تبدّل للأدوات، وغير ذلك الكثير من التفاصيل يمكن لها أن تبدد الرغبة بالكتابة أو تضعف التألق والاندفاع لدى مبدعي الأدب بعامة.

وهذا ما يختلف -إِنْ لم يخالف- الكتابة في موضوعات أخرى كالبحث الاقتصادي، أو الدراسة الاجتماعية أو التحليل السياسي، أو البحث التاريخي، والتي ما أن تجتمع لها "موادها الأولية" من مراجع ونظريات وإحصاءات وبيانات وتواريخ ووقائع، حتى تتطلب من صاحبها مباشرة الكتابة والمثابرة عليها، والجَلَد والصبر، والعمل لساعات طويلة.

ولعل ما يزيد الحيرة إزاء فئة الكتّاب غزيري الإنتاج أن الكاتب بعامة ليس فقط صاحب مزاج متقلب في إنجاز أعماله الأدبية، وإنما هو كذلك حتى في ممارسة القراءة وأوقاتها، سواء من نصوصه للآخرين (وليكن قصيدة أو قصة) أو من نصوص الآخرين لنفسه. فما عسى أن تكون أحواله النفسية مع إبداعه الأدبي إذن؟

سنجد هذا المد والجزر لرغبة الكتابة خارج حقل الأدب أيضا، أي في العمل المهني الصحافي لدى كتّاب العمود اليومي والذين طالما اشتكوا من فقدان قابليتهم، وثقل المهمة المكلّفين بها، مما يدفعهم
-باحتيال صريح للتعويض عن فقدان قابليتهم- إلى ملء عمودهم الصحافي بكلام عن مشكلة فقدان القابلية، فينجون بذلك من التقصير في عملهم!!

حجة منتقدي أصحاب الإنتاج الغزير ترتكز على فكرة مفادها أن الكم الضخم سيكون بالضرورة على حساب النوعية والمستوى والجدة، داعمين استخلاصهم بما يُقال ويتم تداوله من أن للكاتب عملاً أدبياً رئيساً فقط، وما عداه إنما يُستوحى منه

والمرجّح أن "لا" الناهية في القول السائر: "لا تقلْ للمغني غنِّ، ولا للراقص ارقصْ" ليس مردها أن دعوتنا ستحض التمنّع لدى الفنان، بل لأننا بطلبنا وإلحاحنا عليه لا نعير حال مزاجه واستعداده ورغبته ساعة الطلب أدنى اهتمام، لكأن الخبرة والمهارة لديه تكفيان حتماً ليلبي الطلب ويؤدّي العزف أو الرقص!

ويرى مستغربو انكباب الأديب على الكتابة يومياً ولساعات طوال أن تقلقل الرغبة، وتذبذب الاستعداد، ووقوع المزاج في مطبات هوائية ليس حالاً غريبة، وإنما الغريب والمثير للتساؤل ألا تنتاب الأديب هذه الحالات على مدار عقود، خصوصاً حين يكون إزاء الخلق الإبداعي والفني، فينتج وينتج بلا هوادة، ولا توقف ولا تلكؤ!

والحجة الرئيسة لمنتقدي أصحاب الإنتاج الغزير ترتكز على فكرة مفادها أن الكم الضخم من الأعمال الأدبية سيكون بالضرورة على حساب النوعية والمستوى والجدة، داعمين استخلاصهم بما يُقال ويتم تداوله من أن للكاتب عملاً أدبياً رئيساً فقط، وما عداه إنما يُستوحى منه، ويُشاد عليه، ويدور حوله، وينتسب إليه.

وسواء كنا مع هذا الرأي أو مع الرأي المعارض له, فالملاحظ بوضوح أن الكاتب -ومن أي فئة كان- لا خلاص له من اللوم والانتقاد، فإنْ كان مُكثراً من الإنتاج الأدبي قيل فيه إنه يكرر موضوعاته وأفكاره، وإنْ كان مقلا فيما يكتب قيل فيه: مسكين! نشفت بئره ونفدت موضوعاته! وإنْ أصدر عملاً واحداً ثم اعتزل، لحقت به كظلّه "لماذا!؟" كبيرة متعجِبة مستفهِمة!

وعلى وجاهة ملاحظة المستغربين وانتقادهم, فإن المرجع الأساس -والوحيد في اعتقادي- هو الكتاب لا الكاتب, وسويّة النص لا صاحبه، مهما خصص للكتابة من وقت, أو اتخذ لنفسه من عادات, أو استخدم من أدوات (ورقية أو إلكترونية), وسواء بسواء تمترس في خندق مكتبه كجندي روماني لا يزوغ عن هدفه, أم تفلّت على هواه من كل قيد أو اعتياد أو طريقة أو التزام!
ــــــــــــــ
* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة