كمال الرياحي

يعود المترجم التونسي جمال الجلاصي مرة أخرى إلى الأدب الأفريقي الذي يحاول منذ مدة فكَّ شيفرته من خلال مشروع ترجمة متكامل، إيمانا منه بأن التوجه نحو العمق الأفريقي ضرورة معرفية وإبداعية.

وجاءت التفاتة الجلاصي للأدب السنغالي والأفريقي بشكل عام ضمن موقف من حركة الترجمة في العالم العربي التي تتجه شمالا طوال الوقت، وإن التفتت نحو الجنوب فهو جنوب القارة الأميركية من خلال الأدب اللاتيني. ولم تشفع جوائز نوبل ولا البوكر للأدب الأفريقي عند المترجمين العرب إلا ما ندر.

وقد انطلق الجلاصي في مشروعه بترجمة رواية من روائع الأدب السنغالي، "إضراب الشحاذين" لأميناتا ساو فال، وهي واحدة من رموز السرد السنغالي المعاصر صاحبة "نداء ساحات الحرب".

وقد صدر للمترجم هذه الأيام عن الدار التونسية للكتاب مؤلّف يعتبر حدثا ثقافيا في مشهد الترجمة وهو: "الزنوجة، ثلج في اللغة الجديدة، الأعمال الشعرية الكاملة لليوبولد سيدار سنغور" شاعر السنغال ورئيسها السابق (1906-2001).

تمرد الطفل الثري
يحاول المترجم في مقدمته للمدونة أن يعطي لمحة عن الأدب السنغالي بصفته أحد الآداب الرئيسة ضمن آداب أفريقيا السوداء. فقد عرف الأدب السنغالي من خلال أعلام وصل صيتهم إلى العالمية، ومنهم: عثمان سيمبين وبو بكر بورسي ديوب وشيخ حميدو كان ومارياما با، إلى جانب أعمال عالم الأنثروبولوجيا تيديان ندياي والأديبة فاتو ديوم.

ولكن المترجم ينتهي إلى أن كل هؤلاء ورغم ما حققوه من شهرة، فإن بداية الحديث عن الأدب في السنغال تنطلق من عبقري السياسة والأدب سنغور، صاحب نظرية الزنوجة أو الخصوصية السوداء.

وجدير بالذكر أنه خلافا لما نعرفه عن الأصول الفقيرة للكتّاب في السنغال -الذين تلوَّن أدبهم بالمشاغل والرهانات الإنسانية الصغيرة، فالتفت كثير منهم إلى كتابة الهامش والمهمشين مثل ما هو الحال مع رواية "إضراب الشحاذين"- فإن سنغور ينحدر من عائلة ميسورة على رأسها أب تاجر كبير، مما جعل ابنه ينشأ في مناخ أبعد ما يكون عن واقع الشعب السنغالي الحالم بالهجرة إلى الشمال حيث الحياة قبل الأحلام ممكنة.

ومع ذلك، كان سنغور متمردا على حياة البذخ تائقا إلى عالم الرعاة والمزارعين الصغار، مما جعله عرضة للعقاب من رب العائلة البرجوازية. يقول في مقدمة ديوانه "إثيوبيات": "كان أبي يضربني وهو يقرعني على تسكعي الدائم، وانتهى كي يعاقبني ويربيني بإرسالي إلى مدرسة البيض، رغم معارضة أمي التي رأت أن السابعة سن مبكرة للتعليم".

الأديب والسياسي إيميه سيزار كان له بالغ الأثر في رؤى سنغور (غيتي)

الخصوصية السوداء
كانت انطلاقة سنغور الفكرية والإبداعية الحقيقية من باريس عندما التحق بها لإكمال دراسته سنة 1928، هناك تعرف على جورج بومبيدو ليحلما معا بالرئاسة، واحد على عرش فرنسا والآخر على عرش السنغال.

ولكن علاقته بإيميه سيزير كان لها بالغ الأثر في رؤيته للعالم ولأفريقيا. يقول المترجم: "من خلال النقاش معه انفتحت عيناه على حقيقة الشعب الأسود وضرورة تحريره من القهر والعبودية والظلم التاريخي. وأسس معه مجلة ثورية احتجاجية بعنوان "الطالب الأسود"، وعلى صفحاتها راح يبلور مصطلح الزنوجة أو الخصوصية السوداء. ويلخصها إيميه سيزير في كونها تعني الاعتراف بحقيقة الإنسان الأسود كما هو، والقبول بالسود كجنس يختلف عن البيض بالضرورة وبالتالي القبول بتاريخهم وثقافتهم".

أما شاعر السنغال الأعظم وقائدها السياسي سنغور، فرأى أن الخصوصية السوداء تعنى مجمل القيم الثقافية للعالم الأسود، كما تتجسد في الحياة المعاشة والمؤسسات الإبداعية الناتجة عن الإنسان الأسود.

ويعتب المترجم أن هذا المفهوم ظل مصاحبا لسنغور في مشروعه السياسي من ناحية ومشروعه الأدبي والفلسفي من ناحية أخرى.

سنغور أكد على ضرورة احترام وتقبل الخصوصية الثقافية لأفريقيا السوداء (أسوشيتد برس)

الأعمال الكاملة
احتضن الكتاب دواوين سنغور الشهيرة منها وغير المشهورة، مثل: "أغنيات الظل" و"قرابين سوداء" و"ليليات" و"قصائد متنوعة" و"إثيوبيات" و"رسائل البيات الشتوي" و"مرثيات كبرى" و"قصائد ضائعة".

ويشكّل الكتاب رحلة ثقافية وسياسية بالمعنى الدقيق للكلمة، حيث توزعت القصائد بين ما هو أسطوري وميثولوجي وما هو تاريخي وما هو سياسي. وأروع أقسام هذه المدونة ما خطه من مرثيات عائلية وذاتية أهداها لزوجته وأصدقائه ولرموز وعظماء العالم من مارتن لوثر كينغ إلى الحبيب بورقيبة، إذ نقرأ مثلا "مرثية قرطاج" التي أهداها إلى الحبيب بورقيبة "المجاهد الأكبر"، وهو اللقب الذي كان يستحسنه الزعيم التونسي.

وكان سنغور يتخذ من الشخصيات التي عرفها ذريعة لرثاء الحضارات الكبرى من قرطاج إلى سبأ، مؤكدا دائما على ذلك الخيط الرابط بين هذه الحضارات وأفريقيا، ممسكة برشاقة حبل الوريد الرابط بين هذه الثقافات ومادحا أصوات السلام في العالم.

وتكشف قراءة هذه الأشعار على ثقافة سياسية وتاريخية كبيرة ومعرفة دقيقة بثقافات العالم، فجاءت هذه القصائد ترشح بمراجعها من أسماء أعلام وأمكنة وأساطير وعادات وتقاليد مختلفة وغرائب شعوب ومشاعر.

ويذكر سنغور في الأعمال الكاملة أن زوجته هي من حرص على تجميع قصائده والاحتفاظ بأشعاره الأولى لتكون مرجعا وشاهدا على تطور تجربته الشعرية، واستجاب لرأيها ولم يسع إلى حذف شيء من أشعره حتى إن كان يرى بعضها ذات نفس شبابي بات بعيدا عما وصلت إليه تجربته الأبدية من عمق وتعقيد.

وقد أهدى جمال الجلاصي بهذا العمل المكتبة العربية تجربة شعرية رائدة كان لها خصوصيتها وأثرها في الشعر العالمي، وينتظر أن يكون لها أثرها في الشعر العربي القادم.

المصدر : الجزيرة