خالد شمت-فرانكفورت

عكست مشاركة فنلندا كضيف شرف بمعرض فرانكفورت الدولي للكتاب في دورته السادسة والستين هذا العام واقعا ثقافيا وسياسيا عنوانه الأبرز الاعتداد بالذات بهذه الدولة الواقعة بين عالمي أوروبا وروسيا، والحريصة على الاستقلال حتى عن إسكندنافيا والرافضة لعضوية الأحلاف العسكرية، أو ربطها بمنطقة لغوية.

وحضرت الثقافة الفنلندية إلى جناح الدولة ضيفة الشرف بفرانكفورت بخمسين كاتبا ومؤلفا وأربعين دار نشر و240 إصدارا مترجمة للألمانية، استأثرت القصص الكثيرة والرسوم الكارتونية والروايات التاريخية بالنصيب الأكبر فيها.

وقالت مديرة الجناح الفنلندي بمعرض الكتاب د. إيريس شفانك للجزيرة نت إن بلادها سعت لاستغلال استضافتها بالمعرض لتعريف العالم بثقافتها كدولة صغيرة لا يصل تعدادها لستة ملايين نسمة، وتنتمي لأوروبا وتشترك مع روسيا في حدود تزيد عن 1300 كم، مما أكسبها وضعا ورؤى وثقافة ولغة خاصة بها، إضافة إلى لغتها المختلفة عن عائلة اللغات الأوروبية.

فنلندا شاركت بأربعين دار نشر وخمسين مؤلفا و240 إصدارا مترجما للألمانية (الجزيرة)

ثقافة التعليم
وذكرت شفانك أن الجناح الفنلندي اهتم عبر إصداراته بعرض صورة لزائريه عن الحياة بفنلندا الدولة الأقل كثافة سكانية بأوروبا، والأكثر ارتباطا بالطبيعة والغابات والحيوانات التي انقرضت من أوروبا. ولفتت إلى أن حرص فنلندا على ربط ثقافتها في معرض فرانكفورت -بتجربتها التعليمية المتميزة وببعدها عن النمطية والتركيز على التجربة واكتساب الخبرات- أوجد حالة غير مسبوقة من الاهتمام لدى الزائرين.

ووفقا لبرنامج ضيافة الشرف المعمول به في معرض فرانكفورت منذ عام 1976، ستواصل فنلندا عرض برنامجها الثقافي في ألمانيا وسويسرا والنمسا حتى العام القادم، وقالت مديرة الجناح الفنلندي إن دور النشر ببلادها ستحقق فوائد مادية واسعة لمدة سبع سنوات من استضافتها بمعرض فرانكفورت هذا العام.

وإلى جانب المؤلفات المترجمة عكست الإصدارات المعروضة بفرانكفورت الثنائية اللغوية الموجودة في فنلندا المعتمدة للفنلندية والسويدية كلغتين رسميتين، إضافة للغة سامي التي يتحدث بها سكان إقليم "لابلاند" الشمالي الذين يعدون من أعرق المجموعات السكانية الأصلية بأوروبا.

وتعرضت نقاشات ندوة بالجناح الفنلندي بفرانكفورت لبحث الفنلنديين عن ذاتهم التي وجدوها قبل مائتي عام، وإحساسهم في ظل الأزمة الأوكرانية الراهنة بالتهديد من الروس الذين تخوفوا منهم عبر العصور.

وبنفس السياق انشغلت إصدارات فنلندية بالماضي والعلاقة مع روسيا، والحروب التي خاضتها فنلندا للحفاظ على استقلالها بعد أن ظلت قرونا طويلة تابعة للسويد، وتحولها عام 1809 لدوقية ذاتية الحكم ضمن الإمبراطورية الروسية ثم استقلالها عنها عام 1917، وما تلا ذلك من حرب أهلية انتهت بإعلانها جمهورية مستقلة عام 1919.

الجناح الفنلندي حاز على إقبال كبير من زائري معرض فرانكفورت (الجزيرة)

استغراق بالماضي
ومثلت الأوضاع المرتبطة بفنلندا خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية موضوعا رئيسيا بالكتب الفنلندية المترجمة للألمانية بمعرض فرانكفورت، حيث تناولت الأديبة كاتيا كيتو بروايتها عين العالم قصة حب بين ممرضة فنلندية وضابط في الجيش النازي الألماني خلال الحرب الثانية.

وتعرضت رواية صوفيا أوكسانين للأوضاع المجتمعية بآيسلندا تحت الاحتلالين الروسي والنازي، ودارت رواية كيل فيستو عن هلسنكي في بداية الحرب العالمية الثانية، وكتبت جيني لونتوري روايتها عن العاصمة الفنلندية خلال الحرب الأهلية التي أعقبت استقلال فنلندا عن روسيا.

ولفتت تيا ستراندين من منظمة التبادل الأدبي الفنلندنية إلى أن الاستغراق بالماضي جعل الكتب الفنلندية المعروضة بعيدة عن التعرض للأوضاع السياسية أو الهموم الاقتصادية الحالية، وأشارت إلى أن التاريخ يمثل أحد دوافع الأدب الفنلندي من خلال سعي الأدباء من خلال أعمالهم تعزيز هوية مواطنيهم.

وأشارت ستراندين إلى أن الأدب لعب دورا مؤثرا بتزايد إحساس الفنلنديين بهويتهم واستقلالهم عن الروس والسويديين قبل قرنين، بعد الهزيمة التي مني بها ملك السويد كارل الثالث عشر أمام الروس وخضعت لها فنلندا بذاك الحين.

وقالت ستراندين إن الأدب الفنلندي المعاصر يمتاز بالشفافية وعدم خروجه عن المألوف وتوجهه للعامة والنخبة بآن واحد، وذكرت أن الأدباء الفنلنديين الشبان باتوا أكثر ميلا لرفض انكفاء أدبهم على نفسه وهم بحاجة لترجمته للغات أجنبية تجعلهم أكثر انتشارا عالميا. 

المصدر : الجزيرة