نزار الفراوي-الرباط

تحققت انتظارات النخبة الفنية والثقافية المغربية التي تطلعت منذ بداية استقلال المملكة (1956) إلى تشييد صرح متحفي يحتضن ثمار حركية الفن التشكيلي المغربي الذي يعد واحدا من أكثر التجارب العربية خصوبة وتجديدا.

ومن المفارقة أن حركة تشكيلية بذاكرة تناهز قرنا من العطاء الإبداعي -حيث يحدد مؤرخو الفن ميلادها في منتصف العقد الثاني للقرن العشرين- لم تواكبها بنية متحفية تحتفي بتجاربها وأعلامها، وتفتح نافذة على نبض الإبداع الفني خارج الحدود. وها قد خرج إلى الوجود متحف الفن الحديث والمعاصر الذي دشنه العاهل المغربي في وسط العاصمة الرباط.

وتعد هذه المَعلمة الجديدة التي تجمع بين الهندسة المغربية الأصيلة والمعمار الحديث أول متحف يستجيب للمواصفات العالمية من حيث العناصر الثلاثة التي تتوفر في المؤسسات المصنفة، ويتعلق الأمر بالجمع بين وظائف العرض الفني، والتكفل بعمليات صيانة الأثر الفني، ثم الاضطلاع بأدوار أخرى تنفتح على المجتمع من خلال ما يسمى بالوساطة الثقافية.

وقبل ذلك، اقتصر الأمر على بضعة متاحف متوزعة على كبريات المدن المغربية، اتخذت في الغالب طابعا إثنوغرافيا أو هويّاتيا، يرتبط بحفظ وتوثيق الأبعاد التراثية والأنثروبولوجية للمجتمع والثقافة في البلاد.

متحف الفن الحديث والمعاصر تجسيد جديد لمطلب فني قديم (الجزيرة)

أصالة ومعاصرة
وتحمل هندسة المتحف إرادة الاندماج في النسيج الحضري والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وذلك من خلال تصور يقوم على ملاءمة الابتكار الحديث مع التراث العريق. فقد أعيد استثمار الأشكال التقليدية ومنحها أسلوبا فنيا، بغية إضفاء لمسة معاصرة على هذا الصرح.

وأثمرت هذه الرؤية ملمحا ذا طابع عربي موريسكي ينسجم مع الخصوصية المعمارية لمحيط المنشأة التي تجاور "مسجد السنة" التاريخي، والأسوار التقليدية للقصر الملكي.

وينتظر أن يساهم المتحف في تعزيز الطابع الثقافي لمدينة الرباط التي يعتبر البعض أنها ضحية لوضعها كعاصمة إدارية، رغم أنها تحفل بالمعالم والمنشآت التاريخية التي استحقت بها تصنيفا من لدن اليونيسكو كتراث عالمي سنة 2012.

وينضم متحف الفن الحديث والمعاصر إلى صرح آخر تم إطلاق ورش بنائه، وهو المسرح الكبير الذي صممته المهندسة المعمارية الشهيرة العراقية الأصل، زها حديد، على ضفاف نهر أبي رقراق الذي يفصل العاصمة الرباط عن مدينة سلا، وهما مشروعان أساسيان ضمن رؤية عمرانية مستقبلية تتطلع إلى الرباط كـ"مدينة للأنوار" في أفق السنوات القليلة المقبلة.

من جانبه، قال مدير المتحف عبد العزيز الإدريسي في تقديم لهذه المنشأة إن الرهان الفني والثقافي للمشروع يكمن في أن يجمع بين أروقته "تيارات متباينة طبعت المشهد التشكيلي المغربي للحفاظ عليها تراثا حيا لذاكرة الأجيال القادمة".

ويطمح المسؤول عن هذا الصرح لأن يتجاوز المتحف الجديد وظائفه التقليدية كفضاء للعرض والمحافظة على التحف وفق الشروط التقنية المطلوبة للصيانة، بل يصبو إلى أن يكون فضاء للإبداع والتواصل بامتياز من خلال برمجة أنشطة مكثفة تخلق تماسا مباشرا بين الجمهور وصناعة العمل الفني في أوانها، وبعين المكان.

جزء من معروضات المتحف الذي سيقوم أيضا بصيانة الأعمال الإبداعية (الجزيرة)

شكوى النقابات
كما أن هناك رهانا لا يقل أهمية، يتمثل في ربط المتحف بعالم التربية والتعليم. ذلك لأن ضمور الثقافة المُتحفية في البلاد، وضعف حضور الفن التشكيلي في المقررات الدراسية، يحفز المشرفين على المؤسسة على تعزيز الطابع الإشعاعي للمتحف لدى المؤسسات التعليمية من خلال استقطاب الأفواج من التلاميذ والطلبة، ومنحهم فرصة الاحتكاك البصري بتجارب اللون والحركة داخل المغرب وخارجه.

وعموما، حدد المسؤولون خمسة أهداف أساسية لهذا المتحف تشمل نشر الفن المعاصر عبر معارض موضوعاتية، واحتضان مشاريع فنية بعين المكان من طرف فنانين معاصرين، وبرمجة دورات تكوينية لفائدة الجمهور المختص من خريجي مدارس الفنون والهندسة ومؤرخي الفن ومحافظي المتاحف، وتنظيم أنشطة ثقافية منتظمة، وترميم الأعمال الفنية إذ يضم المتحف نواة مختبر سيمكن من صيانة وإعادة الاعتبار للعمل الفني.

والواقع أن إطلاق هذا المشروع لم يخل من انتقادات وجهتها نقابات وجمعيات الفن التشكيلي في المغرب، من ناحية ما اعتبرته "إقصاء لها" من العمليات التحضيرية التي سبقت افتتاحه، وخصوصا ما يتعلق بتصور وتصميم المعرض الافتتاحي للمتحف حول تطور الفن التشكيلي في البلاد على مدى زهاء قرن من الزمان، غير أن الجميع يسجل الدور الذي اضطلعت به المؤسسة الوطنية للمتاحف التي تأسست قبل نحو عامين في التسريع بورش المتحف الذي تمَّ إطلاقه قبل سنوات عديدة، وتوقف في متاهة عوامل إدارية تمَّ تجاوزها بتعبئة قوية.

المصدر : الجزيرة