الممثل ديودونيه مبالا في مشهد من مسرحية "الجدار" (الجزيرة)
بوعلام رمضاني-باريس
 
أقفلت معظم مسارح فرنسا في وجه الممثل الكوميدي الفرنسي الكاميروني الأصل ديودونيه مبالا  استجابة لقرار الحكومة الفرنسية التي تتهم الفنان الساخر بإهانة ذكرى ضحايا المحرقة النازية وتعريض الأمن العام للخطر بإطلاقه إشارات معادية للسامية في مسرحيته "الجدار".

ويوصف ديودونيه الذي يتمتع بشهرة كبيرة في فرنسا منذ فترة طويلة بأنه "استفزازي"، وقد أثار الجدل في أكثر من عمل، بفعل تناوله لقضايا حساسة، لكن إشارة اليد الشهيرة "لاكوينيل" التي ابتكرها، في مسرحيته "الجدار" كانت الأكثر تأثيرا، وانتشرت في الأوساط الشبابية، حتى أن لاعب كرة القدم الفرنسي الشهير نيكولا أنيلكا قلدها في الدوري الإنجليزي مثيرا بدوره جدلا.

وزير الداخلية مانويال فالز قال إنه سيمنع عرض مسرحيته الموندرامية الأخيرة التي لاقت إقبالا منقطع النظير بباريس مؤخرا في مسرحه الخاص "لامان دور" (اليد الذهبية) باعتبار أن التحية "نازية"، واتهم ديودونيه بنشر أفكار معادية للسامية.
 
إشارة اليد الشهيرة "لاكوينيل" التي ابتكرها ديودونيه بمسرحيته "الجدار" كانت الأكثر تأثيرا، وانتشرت بالأوساط الشبابية، حتى أن لاعب كرة القدم الفرنسي الشهير نيكولا أنيلكا قلدها بالدوري الإنجليزي مثيرا بدوره جدلا
حرية التعبير
وبعد نانت ومارسيليا وبوردو ومدن أخرى، من المنتظر أن تزداد وتيرة المنع على خشبات المسارح الفرنسية، ولم يوافق حتى هذه الساعة إلا عمدة مدينة شالون سير سون الذي رأى أن المنع يخدم الممثل ويحول وزير الداخلية إلى أحسن وكيل فني عرفه تاريخ ديودونيه الإبداعي.

وكان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد طالب "جميع ممثلي الدولة وخصوصا مسؤولي البلديات أن يكونوا يقظين وحازمين"، قائلا إنه "يجب عدم تمكين أحد من استغلال هذا العرض للتحريض والترويج صراحة للأفكار المعادية للسامية".

وزيرة الثقافة أوريليه فيليباتيه التي "سكتت دهرا ونطقت ظلما" بحسب الكاتب والصحفي الشهير إيدوين بلينال -الذي ترأس تحرير صحيفة "لوموند" قبل استقالته وأسس موقع "ميديا بار" الإلكتروني- رفضت اعتبار منع ديودونيه اغتيالا لحرية التعبير، كما جاء في تعليق بلينال في مواجهة ساخنة جمعتهما في مناظرة تلفزيونية.

وقالت فيليباتيه إن ديودونيه لم يعد فنانا مسرحيا، وتحول إلى مناضل يعادي السامية بشكل يثير الشغب ويخل بالأمن العام، متجاوزة قول بلينال بأن العدالة هي الفيصل حيال أمر كهذا في بلد حرية التعبير المكفولة دستوريا.

وتهمة معاداة السامية والمتاجرة بضحايا "المحرقة النازية" التي تلاحقه منذ أكثر من عشرين عاما لم تدخل ديودونيه السجن بسبب كسبه كل القضايا التي رفعت ضده على حد تعبير ديودونيه نفسه  "للجزيرة نت"، وبفضل ذكائه الذي يتركه يتوقف عند حدود "القذف" الذي يعاقب عليه قانون الجنح بحسب صحفي فرنسي آخر أكد أنه ليس من مهمة وزراء الداخلية محاسبة ومنع الفنانين في بلد تعود فيه الكلمة الفصل للقضاء المستقل.

وبحسب ديودونيه فإن مانويال فالز -الذي ترشحه استطلاعات الرأي للفوز بالانتخابات الرئاسية في حال عودة اليمين للحكم بحسب المختصين في الشأن الفرنسي- يسعى إلى ترهيبه وترهيب أنصاره المكونين من يهود غير صهاينة وعرب وفرنسيين غير مسيسين بالضرورة، وهم الأنصار الذين تظاهروا أمام مسرحه مباشرة بعد وصول مذكرة المنع إلى محافظي المدن التي سيحل بها ديودونيه طيلة العام الحالي.

إشارة يد ديودونيه الشهيرة التي دفعت ستة شبان يهود للاعتداء على أحد معجبي ديودونيه وشاهدها على اليوتيوب حوالي مليون متضامن مع الممثل، تسببت في ضجة إعلامية غير مسبوقة، وأضحت المسرحية قضية دولة، بعد أن سبقها رد ديودونيه على صحفيين يهوديين يرفضان استضافته "من منطلق تهمة معاداة السامية وممارسة تجارة الحقد" على حد تعبير رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية روجيه كيكرمان.

موقف وزير الداخلية ضد ديودونيه الذي خرج عن الإطار الفني على حد تعبير ديودونيه، لم يقف عائقا أمام انقسام عمداء البلديات الذين تلقوا أمر وزير الداخلية بمنعه، وبين الذين يرون أن حرية التعبير المكفولة دستوريا وقضائيا تمثل السلاح الأول والأخير في يد الممثل.

ولا أدل على ذلك كسب الممثل الكاميروني الأصل كل الدعاوى القضائية التي رفعت ضده على حد تصريحه وتصريح محاميه الذين يتكلمون باسمه، منذ أن قرر عدم الإدلاء بأحاديث صحفية بحسب إحدى مسؤولات المؤسسة المنتجة لعروضه والتي تديرها زوجته اليهودية "نوعيمه مونتاني" اليهودية الصهيونية.

أخذت مسيرة ديودونيه منعرجا غير مسبوق مع عرضه "محمود" الذي قدمه عام 2010 تكريما للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بعد سفره إلى طهران ولقائه الشخصي به

معركة خاسرة
وقال ميرابو أحد محامي ديودونيه للجزيرة نت إن المعارك القضائية التي ربحها موكله تثبت أن معركة وزير الداخلية ضد موكله خاسرة قانونيا وتندرج ضمن توظيف سياسي وشخصي مكشوف، ولا علاقة له بوظيفة الفنان في مجتمع حر.

وقد قدمت له هذه القضية -حسب قوله- خدمة غير مسبوقة بالتشنيع به عبر إعلام يصادر حقه في التعبير، وزاد من نسبة تعاطف المعجبين والصحفيين وبعض الممثلين الكبار الذين لا يشاطرون بالضرورة طروحاته ويرون أنه معاد للسامية، ومن بينهم "غي بيدوس" اليهودي المولود في الجزائر الذي صرح بأن "ديودونيه من أذكى وأقدر الممثلين الفرنسيين الساخرين وأكثرهم موهبة"، مشيرا إلى أنه يقف ضد مبدأ المنع مهما كانت المبررات.

وأضاف ميرابو أنه رفع ثماني دعاوى قضائية بدعوى القذف ضد وزير الداخلية وصحيفتي لوموند ولوفيغارو المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية والرابطة المناهضة للعنصرية ومعاداة السامية، وإذاعة "أر تي أل" ومنابر إعلامية أخرى أقل شهرة، مشيرا إلى أن 12 مدينة وافقت على عرض مسرحية موكله، من بين حوالي ثلاثين وليس 22 فقط، كما كتبت الصحافة الفرنسية.

يُذكر أن ديودونيه مبالا من مواليد ضاحية فونتي أو روز الباريسية عام 1966 واشتهر من خلال الثنائي المسرحي الذي جمعه بصديق طفولته ورفيق دربه اليهودي إيلي سيمون منذ عام 1991 وحتى عام 1997 تاريخ انفصالهما نتيجة خلافات مهنية وليست سياسية -وفق ديودونيه- خلافا لما أكده لاحقا سيمون بقوله إنه ندم على عمله إلى جانب العنصري المعادي للسامية.

مثل العشرات من الأعمال المسرحية الفردية، لكنه تميز أكثر بعروض "اعتذاراتي" 2004 (هجوم على الصهاينة الذين يستبيحون كل شيء) و"1905" (عن العلمانية والحجاب) و"بست أوف" (مختارات من عروض لاقت إقبالا كبيرا في الكيبك) 2007.

أخذت مسيرة ديودونيه منعرجا غير مسبوق مع عرضه "محمود" الذي قدمه عام 2010 تكريما للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد بعد سفره إلى طهران ولقائه الشخصي به، وهو ما عمق من صحة اتهام ديودونيه بمعاداة السامية بحسب المفكر برنار هنري ليفي.

المصدر : الجزيرة