جدارية "أرض كنعان" شخوص وشواهد تلخص هاجس الفلسطيني بالتحرير (الجزيرة)

عاطف دغلس-نابلس

يبدو أن قضية التحرير ستظل هاجساً يؤرق الفلسطينيين، ليس سياسياً فحسب بل من الناحية الفنية أيضاً، وما غاب عن جدارية هي الأولى من نوعها عربياً، غائب بواقع الحال عن بال السياسيين، مفاوضين كانوا أم قادة.

ورغم أن مقومات العمل لجدارية "أرض كنعان" توفرت قبل شهرين، وانطلق الفنانون يخطون بريشاتهم ألوانها، وينسجون منها صوراً معبرة، إلا أنها لم تُستكمل، وظل مشهد التحرير والانتصار غائباً حتى اللحظة على الأقل في اللوحة الفنية.

يعزو وائل دويكات -أحد الفنانين القائمين على العمل- عدم إتمام الجزء المتعلق بالتحرير في الجدارية لتقاعس الداعمين "أو أن أحداً لم يزل يرى أن النصر بعيد" وفق تعبيره.

وعلى مساحة تزيد على ألف متر مربع على حائط الملعب البلدي بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، رسم مجموعة من الفنانين التشكيليين الفلسطينيين جدارية "أرض كنعان" كأول عمل فني عربي بهذا الحجم والمضمون، وهي من الجداريات القلائل من هذا النوع بالعالم.

وهذا المضمون -كما يقول دويكات- يحاكي فلسطين ماضياً وحاضراً، ويستشرف المستقبل "كأنك تقرأ الحكاية من أولها لآخرها".

الجدارية هي الأولى عربياً (الجزيرة)

حكاية فلسطين
وتسرد الجدارية تاريخ 21 حضارة استوطنت فلسطين، أهمها الكنعانية قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام، وتعرج على الثقافة الفلسطينية وتراثها، والقدس وآلامها بفعل الاحتلال، ثم الصمود والمقاومة، ممثلة بالمرأة "ملهمة هذه الثورات ومصدر ألقها".

ويتناول العمل الضخم خطاب الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات بالأمم المتحدة عام 1974 وإعلان الدولة، مذيلة كلامه بصورة لكهل يحمل مفتاح بيته الذي هُجِّر منه إبان نكبة فلسطين قبل 65 عاماً، إذ لا يزال يُصر على العودة ويتحمل في سبيل ذلك بؤس اللجوء ومراراته.

وما إن تشارف الجدارية على النهاية، وتبدع أيادي 25 فناناً وفنانة وتشرع بغزل ثوب الفرح للعروس، حتى يتوقف العمل ويغيب مشهد الانتصار، ويبقى الظلام حالاًّ "وكأنهم لا يريدون التحرير لفلسطين" كما تقول الفنانة همسة لفداوي.

وتضيف لفداوي أنهم كفنانين يهدون عملهم هذا لفلسطين الوطن، وأن اختيارهم نابلس للفت الانتباه لهذه المدينة التي لا تزال تتجرع الحصار والمعاناة، ودعوة للابتعاد عن المركزية في مشاريع الدعم الفنية والثقافية وغيرها.

الفنانون استلهموا من قصيدة درويش جداريتهم (الجزيرة)

رسائل العمل
ومن مقولة محمود درويش الشعرية "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" استمد الفنانون طاقتهم، فأطلقوا العنان لأفكارهم، وأخرجوا كوامن إبداعاتهم، وحلموا بتحقيق كيان فني يُرسخ صمودهم، ويلم شملهم، ويستوعب صخب من آلمته ظروف الحياة.

ويحلم هؤلاء بالتخلص من حالة التشرذم التي يعيشها الفنانون التشكيليون، ونقل معاناتهم وما يتعرضون له من قهر لعالم لا يزال يغض طرفه عن آلام شعبهم، كما تقول الفنانة سهى جرار.

وأخذ راسمو الجدارية على عاتقهم إنجاز العمل، حيث أنهوا جلَّه بجهد شخصي، رغم وعود المؤازرة والدعم، وربطوا على بطونهم بعدما باتوا ينفقون من جيوبهم على طعامهم وشرابهم أثناء العمل.

والرسالة التي أرادها المشاركون أو "مجموعة أثينا الفنية" كما أطلقوا على أنفسهم، أن تصل لمسامع المسؤولين أن الفن الفلسطيني وأهله يغيبون عن بالهم، وفق الفنانة نادية أبو خرمة.

وتضيف قائلة إن 90% من الفنانين عاطلون عن العمل، ولا يلقون تشجيعاً من الجهات الرسمية لتبني أعمالهم الفنية كإقامة معارض تسويقية، محلية وخارجية، رغم قدراتهم العالية.

ورغم أن "أرض كنعان" لوحة لم تنته بعد، فإنها تحولت لمزار لكثير من الوافدين لمدينة نابلس، وأقيمت العديد من الفعاليات الوطنية أمامها.

يقول المنسق الإعلامي لهذا العمل الفني مجدي محسن إن ما أُنفِق على الجدارية التي حظيت بتنوع المشاركين من الضفة وفلسطين المحتلة عام 1948، يزيد على 35 ألف دولار، وهي ما تزال بحاجة لدعم آخر كي تُستكمل.

المصدر : الجزيرة