أمير العمري
 
"أزمة السينما العربية" موضوع مطروح للمناقشة يتردد منذ أن وعينا على الدنيا، تردده وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث والدراسات باستمرار، وتقام بشأنه -بين حين وآخر- الكثير من المؤتمرات والندوات والموائد المستطيلة والمستديرة دون أن يتطرق أحد المشاركين في تلك المناقشات إلى طرح معنى السينما العربية أصلا.
 
يجدر التساؤل بشأن ماهية السينما العربية قبل أن نحدد ما إذا كانت في أزمة، أم أن سؤال الأزمة بأكمله سؤال "مفتعل" لإشغال البعض بالبحث والجد والاجتهاد في ما لا يوصلنا قط إلى فهم عميق للموضوع بل إننا نخرج منه كما دخلنا عادة!

عندما نقول "السينما العربية" يجب أن يكون هناك أولا -وقبل كل شيء- اتفاق على معنى المصطلح، فهل نحن متفقون فعلا؟

ولغرض تسليط الضوء على الإشكالية التي تترتب بالضرورة على إثارة السؤال سوف أتجرأ وأطرح التساؤلات التالية دون أن أحتكر لنفسي حق الإجابة عنها بل أتركها مفتوحة لمساهمات الزملاء إذا شاؤوا:

قد يرى البعض أن المعنى المقصود من وراء مصطلح "السينما العربية" هو معنى "ثقافي" فضلا عن أي شيء آخر، وأن هذا يكفي، وأنه يجب ألا نشغل أنفسنا كثيرا بالبحث في ما وراءه

أولا: هل السينما العربية مصطلح يقصد منه وجود صناعة سينمائية في بلدان العالم العربي تنتج أفلاما بغرض توزيعها في السوق العربية أي في معظم بلدان المنظومة العربية، مما يكفل وجود دوران لرأس المال الذي استثمر في هذه الصناعة وما تنتجه من أفلام، أم أن المقصود هو مجموعة الأفلام التي تنتج في البلدان العربية بأموال عربية، وتكون ناطقة باللغة العربية؟

والسؤال التالي مباشرة (الثاني) سيكون هو" وماذا بشأن الأفلام التي يخرجها مخرجون ينتمون بشكل ما -إلى البلدان العربية- في أوروبا والغرب عموما، وتكون من الإنتاج الأوروبي والتمويل الأوروبي بالكامل بل وتكون -في الغالب- ناطقة بلغات أجنبية، والأمثلة على ما نقوله هنا كثيرة، هل نعتبر هذه الأفلام "عربية" أي تدخل جزءا عضويا في ما نطلق عليه "السينما العربية"؟
السؤال الثالث: هل "السينما العربية" مصطلح سياسي أم ثقافي، أو جغرافي، أم كل هذه العوامل مجتمعة؟

رابعا: هل السينما العربية تعكس هموم وتطلعات وآمال وأحلام مجموعة من السينمائيين يجتمعون على رؤى متقاربة لمشروع فكري متجانس أو حتى متقارب في أساليبه السينمائية؟

خامسا: هل نستخدم مصطلح "السينما العربية" بشكل انتقائي، أي حسب الحالة وكيفما نرى، كأن نعتبر فيلما ما "عربيا" لمجرد أن مخرجه من أصول عربية أو ولد في العالم العربي، وماذا لو كان الفيلم نفسه لا علاقة له من أي زاوية بمشاكل العالم العربي وقضاياه، هذا بفرض أن الأفلام التي تنتج في العالم العربي وتنطق باللغة العربية، تتناول دائما ما يتعلق بقضايا العالم العربي وهو أمر مشكوك فيه كثيرا في الواقع!

قد يرى البعض أن المعنى المقصود من وراء مصطلح "السينما العربية" هو معنى "ثقافي" فضلا عن أي شيء آخر، وأن هذا يكفي، وأنه لا يجب أن نشغل أنفسنا كثيرا بالبحث في ما وراءه، حتى لا نهدم مفهوم "العروبية" الذي نعتز به ونتطلع إلى تحققه منذ عشرات السنين، لكن المشكلة أننا في هذه الحالة نكون سائرين وراء "فرضية" نظرية أكثر مما نقف على أرضية واقعية أي لها أساس عملي وعلمي في أرض الواقع.

أليس الحديث عن وجود "نشاط سينمائي" في العالم العربي أقرب إلى الدقة منه إلى الحديث عن "سينما عربية" راسخة لها ملامح مشتركة وظروف متشابهة

ويقصد عادة بالمعنى الثقافي أننا يجب ألا ننتظر وجود "صناعة" سينما في بلدان العالم العربي لكي نقول إن لدينا "سينما عربية" بل إن ما هو قائم من "نشاط سينمائي" يتمثل في ظهور أفلام هنا وهناك، سواء ما يصور بالفيديو أو بالكاميرا السينمائية، وسواء كانت لهذه الأفلام سوق للتوزيع أو أن عرضها
لا يزال يقتصر على المهرجانات (التي أصبح بعضها يدعم أيضا إنتاج الأفلام دون أن يملك آلية لتسويقها جماهيريا)، وسواء كان لدينا دور للعرض السينمائي أم أن وجود هذه الدور محظور أصلا بحكم القانون كما هو الحال في بلد أو آخر.

وبماذا يمكننا أن نصف نشاط عدد من الشركات السينمائية التي تأسست في قطر والإمارات وتنتج أساسا أفلاما أميركية المحتوى والصنعة، وتتوجه أصلا إلى الجمهور الأميركي، وذلك لأغراض استثمارية تجارية واضحة؟ هل هذه أيضا تدخل في إطار ما نسميه "السينما العربية"؟

أليس الحديث في هذه الحالة عن وجود "نشاط سينمائي" في العالم العربي أقرب إلى الدقة منه إلى الحديث عن "سينما عربية" راسخة لها ملامح مشتركة وظروف متشابهة؟ فهل هناك علاقة ما (ثقافية أو فكرية) -على سبيل المثال- بين السينما في الخليج أو ما ينتج من أفلام في الخليج، وما ينتج من أفلام في المغرب؟

ربما نرى علاقة ما فقط تتمثل في كون صناع الأفلام (الاحترافية) في كل من الخليج والمغرب ما زالوا حتى الآن يعتمدون على تقنيين من الأجانب للقيام بالعمليات الفنية الأساسية في صناعة الفيلم (المونتاج والتصوير والموسيقى والمكساج.. إلخ).

وإذا لم نكن في حاجة للتدليل على ما نقوله هنا في حالة الأفلام المغربية وهو موضوع كتب عنه النقاد المغاربة كثيرا، فلعل أبرز نموذج للإنتاج "الاحترافي" في الخليج يتمثل في فيلم "وجدة" السعودي للمخرجة هيفاء المنصور.

إن بحث أزمة "السينما العربية" إذا افترضنا وجود أزمة محددة يشكو منها السينمائيون العرب -ولو بدرجات متفاوتة- مرهون بالاتفاق أولا بشأن معنى ومغزى ومضمون السينما العربية، وصولا إلى فتح ملفات قد تكون أيضا متباينة بالضرورة

فقد أنتج هذا الفيلم إنتاجا مشتركا بين شركة روتانا مع 15 شركة أخرى قدمت دعما ماليا وفنيا معظمها شركات ألمانية، بل إن معظم الفنيين الذين ساهموا في إنجاز هذا الفيلم من الألمان، وهم: مدير التصوير والمونتير ومدير الإنتاج ومؤلف الموسيقى ومصمم الملابس ومهندس الصوت والقائم بعمليات المكساج والمؤثرات الخاصة ومساعد الإخراج.

وليس معنى ما نقوله هنا التقليل بأي حال من قيمة ومستوى فيلم "وجدة" الذي يتمتع أساسا، بسيناريو جيد وإخراج متميز وأداء تمثيلي ممتاز، ولكنه إقرار بحقيقة الاعتماد بشكل ما على خبرات أخرى في الغرب، وهو أمر لا عيب فيه، غير أننا يجب فقط أن ندركه حتى لا ننساق كثيرا وراء المصطلحات دون معرفة "المطبات" التي تؤدي إليها أحيانا!

لماذا يتحدث نقاد أوروبا عن "السينما الأوروبية" حتى على الرغم من اختلاف اللغات والقوميات، ودون أي ربط بين المصطلح بكيان "الاتحاد الأوروبي" مثلا؟ ألا تعبر الأفلام الأوروبية عن ثقافة خاصة ومنطق خاص في التعامل مع السينما كفن وصناعة وتجارة وتسويق وتنسيق مهرجانات.

وهل المصطلح يعني الاشتراك في سمات "فنية" تتعلق أساسا بالخروج (في معظم الأعمال) عن النمط الأميركي الشائع في السرد وطريقة تركيب الفيلم من عناصره المختلفة؟!

هل تشترك الأفلام التي تنتج في العالم العربي -حتى بتمويل أجنبي أو بمساعدة خبرات أجنبية- في "فكر سينمائي" واحد يرغب مثلا في التمرد على أساليب معينة سائدة في الشرق أو في الغرب، أم أن هناك اختلافا في الأساليب بين النوعية السائدة التي تدور حول رواية قصة تحوي حكمة أو موعظة ما في سياقها، إلى أقصى درجات "التجريبية" التي لا تسعى أصلا إلى الوصول لجمهور كبير بل يكتفي صانعوها بما تحققه لهم ولأصدقائهم من متعة!

إن بحث أزمة "السينما العربية" إذا افترضنا وجود أزمة محددة يشكو منها السينمائيون العرب -ولو بدرجات متفاوتة- مرهون بالاتفاق أولا حول معنى ومغزى ومضمون السينما العربية، وصولا إلى فتح ملفات قد تكون أيضا متباينة بالضرورة، تحمل تجارب مختلفة في إطار الجغرافيا السياسية التي يبدو أنها الدافع الأصلي للمصطلح، والموضوع على أي حال مفتوح للمناقشة.   
_______________
ناقد سينمائي مصري

المصدر : الجزيرة