الكاتب الجزائري الراحل مالك حداد بريشة الفنان العالمي محمد إسياخم (الجزيرة)
عبد الرزاق بوكبة-الجزائر
 
يعد مالك حداد نموذجا للكاتب الجزائري الذي يعيش حالة اغتراب لغوية، أدت به في النهاية إلى أن يصرخ مباشرة بعد الاستقلال "الفرنسية منفاي، لذلك قررت أن أصمت"، وهو القائل قبل ذلك "أكتب باللغة الفرنسية لأقول للفرنسيين إنني لست فرنسيا".
 
إنه تمزق مبدع كبير بين ذاته الموغلة في الحضارتين العربية والأمازيغية، ولسانه الذي ورثه عن استعمار جاء ليطمس ملامحه، ولا "يورثه إلا يتمه".
 
غلاف كتاب "عام جديد بلون الكرز" عن الكاتب الجزائري الراحل مالك حداد (الجزيرة)
سيرة كاتب
ولد مالك حداد في صيف 1927 بمدينة قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري لأب أمازيغي جاء إليها قبل سنوات، وفيها عاش طفولته وتلقى تعليمه الأول، ثم التحق بجامعة إكس أون بروفانس بفرنسا، وحصل على شهادة في الحقوق.

يعتبر حداد أن تاريخ ميلاده الحقيقي هو 8 مايو/أيار 1945، وهو اليوم الذي خرج فيه الجزائريون إلى الشوارع مطالبين بالحرية التي وعدتهم بها فرنسا إن هم وقفوا معها ضد هتلر، لكنها قابلتهم بالرصاص الذي حصد منهم 45 ألف شهيد.

برمجت هذه المجازر الرهيبة مالك حداد على نشدان الحرية، والنزوع نحو الثورة، وهو الخيار الذي اعتنقه بعد اندلاعها منتصف خمسينيات القرن العشرين، فكان أحدَ أصواتها القوية، بلسان فرنسي أدهش الفرنسيين أنفسهم.

عاد مباشرة بعد الاستقلال إلى قسنطينة، المدينة التي سكنت نفسه ونصه، وقرر أن يرعى المواهب الأدبية الجديدة من خلال إشرافه على القسم الثقافي ليومية "النصر"، ثم مجلة "آمال" التي أسست لجيل أدبي جديد.

كان حداد يرى في الأصوات الجديدة عزاءه بعد أن قرر "الصمت الإبداعي"، فتحول إلى مدرسة أدبية في الرواية والشعر، ومن المفارقة أن معظم المنخرطين فيها من الكتاب باللغة العربية.

لقد كان توليه الأمانة العامة لاتحاد الكتاب الجزائريين، واضطلاعه بمنصب عال في وزارة الثقافة والإعلام في عهد الرئيس الراحل هواري بومدين، نافذة منحت كثيرا من الشمس للمواهب الجديدة، في مقابل أنها جلب له كثيرا من الانتقاد من المعارضة التي رأت أنه زكى نظاما قامعا للحريات.

رحل مالك حداد في الذكرى السادسة عشرة لاستقلال الجزائر عام 1978، مخلفا رصيدا أدبيا يحلم بالترجمة، يتكون من أربع روايات هي "الانطباع الأخير"، وسأهبكِ غزالة"، و"أنا المعلم والتلميذ" و"رصيف الزهور لا يجيب"، وديوانين شعريين هما "الشقاء في خطر" و"أسمع وأناديك"، ودراسة واحدة هي "الأصفار التي تدور في الفراغ".

كان مالك حداد يرى في ترجمة نصوصه إلى العربية بديلا عن صمته وتوقفه التام عن الكتابة، ولم يعايش إلا محاولات قليلة في ذلك

سيرة ترجمة
كتب جميع مؤلفاته تلك خلال سنوات ثورة التحرير(1954-1962)، لكنها -على قلتها- حفرت عميقا في الذائقة الأدبية الجزائرية، وتحول صاحبها الذي كتب يوما "تفصلني الفرنسية عن وطني، أكثر مما يفعل البحر الأبيض المتوسط" إلى أيقونة إبداعية.

تداخل الشعر بالسرد، والذاتي بالموضوعي، والوطني بالإنساني، والعاطفي بالفكري في كتابات مالك حداد، فحقق بذلك وثبة حررت المتن الأدبي الجزائري المكتوب بالفرنسية والعربية معا من الأيديولوجي الذي هيمن عليه.

وقد كانت مقولته "علينا أن نمنح العاطفة عقلا، والعقلَ عاطفة" خلفيته في نصوصه، فكتب عن شخوص تسعى إلى الخلاص من خلال العودة إلى ذاتها، والنضال من أجل عدم الاستسلام لأية قوة تحاول تعليب الإنسان.

كتبت أحلام مستغانمي التي لا تجد حرجا في الاعتراف بأنها خرجت من "معطف" مالك حدّاد "يوم التقيته عابرا في مقر اتحاد الكتاب، كنتُ أقل خبرة من أن أرد على طلبه بترجمة بعض نصوصه إلى اللغة العربية، ليسمعها بصوتي في برنامجي الإذاعي".

كان حداد يرى في ترجمة نصوصه إلى العربية بديلا عن صمته، وتوقفه التام عن الكتابة، ولم يعايش إلا محاولات قليلة في ذلك، منها ترجمة الباحث الجزائري حنفي بن عيسى لروايته "رصيف الزهور لا يجيب" عام 1965، وترجمة الباحثة السورية ملك أبيض لبعض نصوصه.

في توطئة الكتاب يكتب القاص والروائي سليم بوفنداسة أن حداد كان يعتبر الحياة ظاهرة أدبية، فلا يدري قارئه أين يبدأ الأدب، وأين تتوقف الحياة

كرز لعامنا الجديد
تفاوت مستوى الترجمات التي توجهت إلى كتب مالك حداد بعد رحيله، وتأتي ترجمة الكاتب الجزائري "شرف الدين شكري" لنخبة من أشعاره ونصوصه السردية، لتلبي حاجة القارئ العربي إلى اكتشاف هذا الصوت المبدع الذي كتب يوما إلى صديقه لويس أراغون "لو كنت أعرف الغناء، لتكلمت العربية".

حملت الترجمة -الصادرة ضمن سلسة "كتاب الدوحة" في قطر- عنوانا منسجما مع صدورها مطلع العام الجديد (2014)، وهو "كرز لعامنا الجديد"، وضمت ثمانية عشر نصا شعريا وسرديا.

انتقى المترجم المعروف بالبحث في مالك حداد إنسانا وكاتبا، هذه النصوص من ديوانيه "الشقاء في خطر" (1956)، و"أسمع وأناديك" (1961)، ودراسته المهمة "الأصفار التي تدور في الفراغ" التي تناول فيها هواجس التعبير عند الكتاب الجزائريين.

وكتب القاص والروائي سليم بوفنداسة في توطئة الكتاب أن حداد كان يعتبر الحياة ظاهرة أدبية، فلا يدري قارئه أين يبدأ الأدب، وأين تتوقف الحياة.

وكرست هذه الترجمة الهواجس الإنسانية والإبداعية التي عرف بها حداد، وهو يعيش ويكتب "أسطورته المنسوجة بملاحم اليومي"، وبغضه الدفين لمفردات القتل والموت والحروب إذ يقول "ستنتهي الحرب الآن، سوف تخبو البنادق، وأنا أريد أن أؤمن بأن بارودها، سيضيء نيران المخيمات".

المصدر : الجزيرة