معرض التشكيلي الجزائري شكري مسلي في بارس لم يحظ بالإقبال الجماهيري المتوقع (الجزيرة نت)
بوعلام رمضاني-باريس

يعطي معرض شكري مسلي -آخر عمالقة الفن التشكيلي الجزائري- انطباعا مفاده أن التوفيق بين الأصالة والمعاصرة محاولة صعبة المنال لكن ممكنة، حينما يكون صاحبها يعي حدود التقليد والتأثرالأجنبيين، ويكتسب موهبة التجديد والتحديث وقدرة استنطاق التراث المحلي، مستلهما ماضي حضارة بلده المتنوع ثقافيا، وأساليب وتقنيات ومنطلقات من سبقه من كبار التشكيل في العالم.

مسلي (83 عاما) الذي خرج من معطفي بيكاسو وبراك، يعرض في المركز الثقافي الجزائري حتى الخامس من الشهر القادم، لوحات تجسد تكعيبة وتجريدية أملاها الزخم التراثي الأمازيغي.

وقد اشتهر مسلي الذي اضطر للهجرة إلى باريس عام 1994 في عز عشرية العنف الحمراء بالجزائر، إثر اغتيال مدير المدرسة الوطنية للفنون التشكيلية محمد عسلة وابنه كأحد أبرز مؤسسي الحداثة التشكيلية الجزائرية.

وتجاوز بذلك أستاذه ومعلمه الراحل الكبير محمد راسم مؤسس حركة أوشام عام 1967 مع دونيه مارتيناز، وهي النزعة التي يعود تاريخها في نظره إلى آلاف السنين وتشهد عليها مغارات حضارة الطاسيلي المعروفة في أقصى الجنوب الجزائري.

وكان مسلي مهّد لهذه الحركة عام 1951 إلى جانب مجموعة من التشكيليين والشعراء والكتاب أشهرهم محمد إسياخم وكاتب ياسين ضمن ما عرف بفوج 51.

"المرأة القصيدة" 
مسلي الذي اتخذ من الرسم على الورق مادة رئيسية وجوهرية في كل لوحاته القائمة على تجريدية الأوشام المختلفة المعاني والأبعاد شكلا ومضمونا، جعل من المرأة محور إبداعه باعتبارها مرجعية إنسانية وذاكرة أبدية مرادفة للحياة والاستمرار في كل الأحوال وأصل الرغبة والجمال والأحلام.

في المعرض الذي طغت عليه لوحات حملت عناوين "المرأة القصيدة"، صاغ مسلي المرأة إبداعيا في حلة شاعرية اتخذت من هندسة الأوشام قالبا محوريا عايش من خلاله تشخيصية وتجريدية تكشفان عن أسلوب فني مزدوج عكسته لوحات "طوطم1 " و"أحفاد" و"القبيلة" و"ألف شمس وشمس" و"قصيدة".

وكتب الروائي الكبير رشيد بوجدرة المولع بالفنون التشكيلية مشيدا بصديقه مسلي الذي لا يحصر المرأة في منظور "شبقي" فقط مثل صاحب "ليليات امرأة أرق" و"التطليق".

لكن الراحل الناقد والروائي الطاهر جاووت الذي اغتيل عام 1993 هو من كتب أروع السطور عن مسلي في صحيفة "أحداث الجزائر" عام 1990، قائلا إن "كل أعمال مسلي تنضوي تحت إشارة تين هينان المرأة التي حكمت الرجال".

ولم يتنكر مسلي المجدد الحداثي لإرث أستاذه محمد راسم، وجسد تأثره الكبير به من خلال لوحة "امرأة مزخرفة" التي عكس فيها عرسا لونيا اعتمادا على تقنيات المنمنمات البديعة.

لوحات مزج مسلي فيها
بين الأوشام والمنمنمات (الجزيرة نت)

جمهور غائب
معرض مسلي الذي يوصف بأنه يخاطب ذاكرة الجزائريين والمرأة بوجه خاص، لم يحضره الجمهور المتوقع كما سبق أن اشتكى مدير المركز الثقافي الجزائري الروائي الشهير ياسمينة خضرا للجزيرة نت في أكثر من مناسبة.

يشار إلى أن مسلي المولود عام 1931 بتلمسان ترعرع في عائلة مثقفين وموسيقيين، وبدأ يرسم ابتداء من عام 1947 تاريخ انتقال عائلته إلى العاصمة الجزائرية.

كما يعد مسلي مثقفا وفنانا تشكيليا حداثيا وطلائعيا بحكم مشاركته في تأسيس مجلة "شمس" اليسارية عام 1950.

وقد دخل مدرسة الفنون التشكيلية في باريس عام 1954 وعرض لوحاته عام 1956 إلى جانب المغربي الشرقاوي، قبل أن يتوقف عن الرسم للنضال في صفوف جبهة التحرير والمشاركة في إضرابات الطلاب.

وكان الرسام الجزائري الأول الذي حصل على شهادة تخرج من مدرسة الفنون التشكيلية وأقام في المغرب منذ عام 1960 وحتى استقلال الجزائر عام 1962.

وعرض لوحاته في نيويورك وسان فرنسيسكو وأطلنطا وواشنطن عام 1982 إلى جانب تشكيليين أفارقة، وبقي ملتزما بقضايا الوطن بعد الاستقلال موازاة لعمله أستاذا في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، ولمشاركته كعضو فاعل في توجيه الاتحاد الوطني للفنون التشكيلية الذي يعد من أبرز مؤسسيه.

وقد كان من أبرز مؤسسي تجمع الفنانين والمثقفين المناهضين للتعذيب عام 1988، ويعد علامة فارقة في تاريخ الفن التشكيلي الجزائري إلى جانب محمد راسم أستاذه ومحمد إسياخم ومحمد خدة وباية وسيلام وقريشي.

المصدر : الجزيرة