غلاف رواية "منافي الرب" للمصري أشرف الخمايسي (الجزيرة نت)
هيثم حسين
 
ينقل الروائي المصري أشرف الخمايسي في روايته "منافي الرب" لقطات من الحيرة التي تجتاح روح الإنسان وقلبه وتتركه نهب قلق مزمن لا ينتهي، وكيف يمكن أن يقضي حياته متفكرا في الموت وانتظاره الذي يعطل طاقاته ويشل حركته، ويبقيه ضائعا بين الترقب والهلع. 

يشير الخمايسي في روايته المرشحة لجائزة البوكر -والتي نشرتها دار الحضارة بالقاهرة- إلى التأويل الرغبوي لبعض التعاليم والشرائع الدينية الذي يسود لدى شريحة من الناس، ومحاولتهم تطويع النصوص الدينية لخدمة مآربهم الذاتية، أو لتوافق رغباتهم الدنيوية، فيفسرون الظواهر تبعا لرؤيتهم ورغبتهم لا كما هي عليه واقعا.

كما يشير إلى جوهر الأديان ورسالتها الإنسانية، وهو الذي يغوص في بعض الخلافات والاختلافات فيما بينها، ولاسيما بين الإسلام والمسيحية، ليعود بهما إلى الجذر نفسه والغاية نفسها المتمثلة في الإنسان والإنسانية.

يرمز الكاتب في بعض الجوانب إلى صحارى الأوهام والأحلام والكوابيس، وإلى مشاعر الأسى والفقد والحزن والقهر.. يستعين بالأساطير والحكايات التي تتجلى فيها المنافي على صورة الإنسان ذاته.. يحاول استجلاء الحكم والعِبر من الحياة والموت، فيرسم حياة روائية فيها من الحب والكره والخوف والأمل والشك والإيمان والتعقل والجنون والسعادة والبهجة والأسى الشيء الكثير.

لا يلبث حجيزي أن ينقاد وراء مَنافٍ تستولد بعضها.. تقوده رغبته المضنية لروحه إلى التيه في الصحارى، يتنقّل باحثاً عن سر الحياة المحجوب، يغرق في دوامات أوهامه وشكوكه وظنونه

مناكفات ومماحكات
تشتمل الرواية التي تدور في صحراء "الوعرة" المتخيلة على 16 فصلا، يستهلها الخمايسي "بالرؤيا" ويختمها "بالمعزّي"، رؤيا بطله "حجيزي بن شديد الواعري" تنبئه أنه سيموت بعد ثلاثة أيام فتقض مضجعه، وهو الذي تجاوز عمره المائة عام.. يقع رهين خوفه من موته، ويبرر أنه لا يخشى الموت بل يخشى الدفن، لأن ذلك قد يعني الوحشة والوحدة والعزلة والعتمة والغربة والنفي والنسيان.

قلق حجيزي ذاك انعكس على المحيطين به، فهو يقلقهم بآرائه الغريبة وحيرته المتصاعدة.. يدخل في سجالات معهم، تراه يناكف جاره سعدون، ولا يمل من المماحكات المكررة، كأنه يهرب من أسئلة الذات المحيرة إلى التلهي مع الآخر. كما يحاول استعادة جانب من طيشه مع زوجته العجوز "سريرة"، يسعى أن تكون الساعات الأخيرة من عمره مفعمة بالسنين والأحداث والأجوبة والذكريات.

حجيزي الذي يأخذ عن والده التحنيط، يبحث عن سر الحياة ولغزها، يرجو أن يكون الإنسانَ الخارق لا يلبث أن ينقاد وراء مَنافٍ تستولد بعضها.. تقوده رغبته المضنية لروحه إلى التيه في الصحارى، يتنقّل باحثاً عن سر الحياة المحجوب، يغرق في دوامات أوهامه وشكوكه وظنونه.. يرافق الرهبان، يمكث معهم، يستمع إليهم، يبدل دينه عساه يحظى بفرصة الخلاص من الموت والدفن، ومع الأيام يكتشف الجوهر الأوحد لرسالة الإنسان وحياته، وأن الموت هو الحقيقة الوحيدة التي لا يمكن التغلب عليها، والوحش الذي لا يمكن ترويضه، ويقع الكل بين براثنه أنى كانوا.

يحاجج حجيزي الرهبان الذين يلتقيهم، يلقي عليهم أسئلته التي تبدو بسيطة لكنها تعكس عمق الحيرة، وتحرج الآخر الذي يشاركه البحث عن إجابات مقنعة تبدو بعيدة عن المتناول. كما أنه يسمم حياته بالخوف من الموت والدفن، يجهد لتحقيق معجزات تبرزه إنسانا متفوقا في بيدائه المترامية الأطراف.

الخمايسي يحاول استجلاء الحِكم والعِبر من الحياة والموت، فيرسم حياة روائية فيها من الحبّ والكره والخوف والأمل والشك والإيمان والتعقل والجنون والسعادة والبهجة والأسى الشيء الكثير

انتظار الخلاص
يتجسد العنوان بأكثر من صورة وطريقة في الرواية، فتارة تكون "منافي الرب" متجسّدة في الصحارى الممتدة التي تعكس امتداد تصحر الأرواح وافتقارها إلى الإيمان والقناعة، كما تبيّن اللامحدودية والسراب والتضليل، وتكون امتحانَ الجسد والتحمل واختبار الإيمان والثقة.

وتارة أخرى تكون المنافي محملة بالمشاعر والأحاسيس وعاكسة لها، فترى حجيزي يعترف بأن الحزن منافي الرب. وبين الصورتين تحضر لقطات كثيرة ترمز إلى المنفى المرتحل في الدواخل، المنفى المعمم، القاهر الملقي بصاحبه في متاهة الحزن والاغتراب.

في انتظار الموت/الخلاص، يشهد حجيزي كثيرا من حوادث الموت، فحادثة الحريق التي أودت بامرأة سعدون وابنه آلمته في الصميم، خلقت لديه أسئلة مشككة في العدالة والموت. ثم تتوالى الحوادث والحكايات لتظهر دوران عجلة الموت وسير الحياة الأزلي إلى الغد، والدور المحدود الذي يمكن للإنسان القيام به في مواجهة قدره، بعيدا عن الاستسلام والتسليم والعجز والارتباك.

فلسفة الصحراء، جغرافيتها الفريدة، عادات أهلها، طقوسهم وأعرافهم، اختلاف الزمن لديهم، الثراء الحقيقي في بحور الرمال التي تحجب كثيرا من الجماليات عن الغرباء. حيوانات الصحراء وكائناتها تنهض بدور محوري في إدامة التوازن في ذاك العالم الملغز.

دور العبادة تشهد على تعاقب الديانات على الأرض نفسها، وتشكيل تلك البقع المترامية الأطراف محجا للإنسان الساعي إلى التطهر والسعادة والسلام، ورؤية المحتلين والمستعمرين المختلفة لتلك الرمال التي تقف على بحار من الكنوز والجواهر، ويكتشفون فيها عمق التاريخ وثراءه، يسعون للظفر بتلك الكنوز الدفينة بغية تحسين شروط معيشتهم في بلدانهم بعيدا عن تلك الرمال وشمسها اللاهبة اللاظية.

بين الرؤية العدمية للحياة وبحث عن تأبيد مستحيل لتجميل العدم نفسه، وبين الإخلاص في الإيمان والعمل، والتخلص من هموم الكون والكينونة، تأتي الحكم والعبر والأسرار والألغاز، ويأتي إبحار الخمايسي بشخصياته في رمال الأسئلة وبحور الحيرة ومنافي الشكوك

أدوار وأنوار
يركز الخمايسي على دور المرأة في دفع الإنسان إلى الغربة والمنفى، ومضاعفة الحيرة لديه أو تبديدها في بعض الحالات، وكيف أن المرأة قد تمتلك زمام المبادرة والتغريب، الراهب يوأنّس مثالاً، هو الذي يحاول الإجابة عن أسئلة حجيزي المقلقة ويغرق في سراديبه الداخلية ويبوح أمامه بأسراره ويكشف هواجسه وقلاقله أيضا، يحكي عن المرأة التي دفعته إلى منفاه وحزنه، وكيف أن سلوكه طريق الرب يهدئ بعضا من ذاك المنفى/الحزن، لكنه لا يستطيع إلغاءه إلا بمعجزة يبدو أنها لن تكون متيسرة.

يعترف في منفاه الصحراويّ الحزين أن وراء كل راهب قصة مليئة بالتعاسة، وفي كلّ قصة امرأة خائنة ما يدفع الواحد لترك الحياة وتسليم نفسه إلى الموات، سكون الفيافي ووحشتها، ينفي نفسه إليها باسم الرب..

أنوار اليقين والراحة تهدئ إلى حد ما العراك المتفاقم في نفوس الشخصيات التي تعترف بخطاياها وأخطائها لتستحق نعمة الحياة والفناء، فالإنسان المستخلَف على الأرض، الصائم عن الحياة بغية عيشها أبدا، محارب النسيان لقرن كامل، يفوز بالذكر دوما، وذلك حين يدوّن كاتب ملهم حكايته ويهبه الخلود بها.. "السفر خلود، والكاتب المُلهم هو واهب الخلود" (ص 367).

بين الرؤية العدمية للحياة وبحث عن تأبيد مستحيل لتجميل العدم نفسه، وبين الإخلاص في الإيمان والعمل، والتخلص من هموم الكون والكينونة، تأتي الحكم والعبر والأسرار والألغاز، ويأتي إبحار الخمايسي بشخصياته في رمال الأسئلة وبحور الحيرة ومنافي الشكوك.

يبرز كيف أن الشك والقلق يفترسان الإنسان في رحلته من المهد إلى اللحد بكل ما يمكن من تناقضات وأوهام وأعمال وجنون ومكائد، وبحث مضن عن سبيل للالتفاف على الموت أو قهره أو التهرب منه أو تأجيله.. وهيهات ذاك.

المصدر : الجزيرة