غلاف الترجمة الفرنسية لديوان الشاعر أبي كبير الهذلي (الجزيرة نت)
أنطوان جوكي-باريس
 
ستة شعراء عرب فقط من العصر الجاهلي حظيت دواوينهم بترجمة فرنسية كاملة هم: النابغة الذبياني، والخنساء، وطرفة بن العبد، وسلامة بن جندل، وعروة بن الورد، وأبو كبير الهُذلي.

ومقارنة بدواوين الشعراء الخمسة الأوَل، يبدو ديوان الهذلي هزيلا بقصائده الأربع التي بالكاد تتجاوز مائة بيت شعري، فلماذا هذا الاهتمام به الذي يظهر من خلال حظوته بترجمتين: الأولى للمستشرق البوسني فهيم بيرقتاريفيتش، والثانية أنجزها مؤخرا المستعرب الفرنسي بيار لارشي وصدرت حديثا عن دار "أكت سود"؟

الجواب عن هذا السؤال نجده في المقدمة التي رصدها لارشي لعمله، ويشير فيها إلى أن ما جذبه في هذا الديوان هو خصوصيته سواء على مستوى الشكل أو المضمون.

وفي هذا السياق، يلاحظ أولا أن القصائد الأربع تبدأ باسم امرأة يتبين لنا بسرعة أنها ابنة الشاعر ونجيته، وهو ما يعكس -في نظر المستعرب- موقع المرأة المهم في الشعر الجاهلي، المرأة الحبيبة وأيضا الأم والأخت والابنة، دون أن ننسى عدد الشاعرات الكبير آنذاك.

لارشيه يشير في المقدمة التي رصدها لعمله إلى أن ما جذبه في هذا الديوان هو خصوصيته، سواء على مستوى الشكل أو المضمون

خصوصية
بعد ذلك، يشير لارشي إلى أن البيت الأول في كل من القصائد الأربع يقول في شطريه الشيء نفسه مع فارق بسيط في طريقة التعبير، أي التأسف على عدم إمكانية تجنب الشيخوخة واختبار الشباب مجدداً.

ومع أن المستعرب الفرنسي ريجيس بلاشير ارتكز على هذا التطابق لوصف القصائد الأربع بأنها مجرد "تمارين مدرسية"، فإن لارشي يرى فيه علامة على وحدة هذه النصوص وتنوعها في آن واحد: وحدة في الموضوع (الشيخوخة والموت) وتنوّع في طريقة معالجته.

ففي القصيدة الأولى (٤٨ بيتا)، يستخدم الهذلي موضوع الحنين إلى الشباب إطارا لاستحضار إنجازاته الحربية والغرامية: تشكيل فرقة من المقاتلين، والسفر ليلا، ومقاومة الريح "السَّموم"، والقيام بغزوة قاتلة عند الفجر. كما يشكل استحضاره كل إنجاز إطارا أو ذريعة لوصف الفرقة التي شكلها أو الفتى المقدام الذي رافقه أو تفاصيل الغزوة أو السلاح المستخدَم، قبل أن ينهي الشاعر قصيدته كما بدأها، أي باستحضار مغامراته العاطفية.

ومع أن هذه المواضيع مألوفة في أغراض الشعر الجاهلي، فإن لارشي يلاحظ أن طريقة ترتيب هذه القصيدة تتبع بنية مختلفة عن تلك المعهودة آنذاك، فبينما تبدأ هذه الأخيرة بالنسيب ثم تنتقل إلى الرحيل فإلى الغرض، تشكل بداية قصيدة الهذلي ونهايتها حلقة تقع داخلها أبيات تحترم بنية ذات جانب تكراري.

وفي القصيدة الثانية (١٩ بيتا)، يستشف لارشي قسمين: القسم الأول هو كناية عن شكوى أو تذمر من الشباب الضائع، والقسم الثاني يظهر كمشهد حربي، علما بأن القسمين يتداخلان في منتصف القصيدة، فبينما يُنبئ البيت العاشر بالمشهد الحربي، يعود الشاعر في البيت الذي يليه إلى الشكوى.

القيمة الجمالية لهذه الترجمة تعود إلى أناقة أسلوب لارشي ومهاراته في النظم، وقد أرفق كل قصيدة بمدخل وملاحظات هامشية لغوية

لوحات متتابعة
وبخلاف برقتاريفيتش الذي يفسر هذه القصيدة كالأولى، أي محاولة شاعر عجوز مواساة نفسه عبر تذكر إنجازاته في سن الشباب، لا يعثر لارشي فيها على نفس العلامات اللغوية الموضوعية الملاحَظة في القصيدة الأولى، وبالتالي يمنحها تفسيرا آخر يظهر قسمها الأول فيه كمشهد لعجوز ينتظر موته، ويبدو القسم الثاني كصورة لمحارب أردى الكثير من أعدائه، مع العلم بأن القسمين متناظران، ومن هذا التناظر تنتج أسوة سلبية.

ويقارن لارشي القصيدة الثالثة (٢٣ بيتا) بالقصيدة الأولى على صعيد بنيتها التكرارية وأفعالها التي يمكن تفسيرها كإنجازات: تحكيم، وقتال دموي وصعود مضنٍ لجبل. كما يمكن أن تفسّر كرموز للموت، ولعل ما يعزز التفسير الثاني في نظره هو السوداوية التي تطغى على كامل القصيدة وتمنحها تماسكها.

وفي القصيدة الرابعة (١٥ بيتا) يرى لارشي مشهد صيد لا يأخذ معناه داخل الديوان إلا من منطلق رمزي أيضا، أي الحياة في اللحظة التي يفاجئها الموت. وفي هذا السياق، ترمز الحمير الوحشية التي تفتش عن الطعام أو تقترب من الماء لتشرب إلى الحياة، بينما يرمز الصياد الذي سيردي هذه الحمير بسهامه إلى الموت.

أما بنية القصيدة فتأتي على شكل لوحات متتابعة تترابط فيما بينها على المستويين الدلالي والشكلي لإسقاط الهذلي كلا منها في بيتَين شعريين فقط.

تبقى إشارة أخيرة إلى القيمة الجمالية لهذه الترجمة التي تعود إلى أناقة أسلوب لارشي ومهاراته في النظم، كما أرفق ترجمته لكل قصيدة بمدخل وملاحظات هامشية لغوية وأسلوبية تسهل ولوجها وتعرّف بمضمونها وخصوصياتها الشكلية.

المصدر : الجزيرة