يحكي خالد خليفة في روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" تاريخ مدينة حلب الحديث، الذي يشكل انقلاب البعث سنة 1963 المنطلق نحو الماضي والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذاك الانقلاب في تشويه معالم المدينة ونسف بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

غلاف رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" للسوري خالد خليفة (الجزيرة)
هيثم حسين
 
يحكي خالد خليفة في روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" تاريخ مدينة حلب الحديث، الذي يشكل انقلاب البعث سنة 1963 المنطلق نحو الماضي والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذاك الانقلاب في تشويه معالم المدينة ونسف بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلف شروخا عميقة بين الناس الذين انقسموا بين مؤيد خائف من إرهاب السلطة الجديدة، وآخر معارض أُودِي به بالتقادم وتمّت تصفيته وضرب مجاله الحيويّ أيضاً، في مسعى لنسف أيّ نشاط أو إحياء لاحق محتمَل.

في الفصول الخمسة لروايته التي نشرتها دار العين بالقاهرة: "حقول الخسّ"، و"جثث متفسّخة"، و"عنق ملوكي وحذاء أحمر"، و"الأم الميتة"، و"طرق غامضة"، لا يكتفي صاحب "مديح الكراهية" بتوصيف التقسيم المجتمعي الذي رسمه النظام وخطط له واشتغل عليه، بل يعود إلى جذور النوازل التي حلت بالشعب، وكيف كانت البداية الخاطئة التي جرت خطايا لاحقة تناسلت من بعضها وأبقت نهر الخديعة والفساد والتآمر جاريا في الحلقة نفسها من الاستنقاع والتأسن.
 
العار أحد المفاهيم التي يخصص لها خليفة تفاصيل مهمة من عمله، فتراه يستعيد التذكير بالعار بين الفصل والآخر، ويكون العار بدوره مجتاحا تفاصيل الحياة الجديدة
ضفاف وتفاصيل
يصف الراوي العليم -الذي تتزامن ولادته مع الانقلاب- سيرته التي تختصر سيرة بلد عاش الخيبات والهزائم بدءا بتسلط "القائد الخالد" الذي يستهل بخبر موته وجنازته الرواية ولحين اشتعال النيران في جسد البلد المنكوب.
 
الراوي المتواري خلف مآسي أهله ومعارفه يحكي عن تقسيم المدينة إلى شطرين مفترضين، وكيف انقسم كل شطر بدوره على نفسه، لدرجة أصبح التفرّق سمة طاغية، وبين الشطرين تناثرت الهموم والفجائع التي ظلت سمة عامة طيلة عقود، ذلك أن التضحية بأهل البلد في سبيل شعارات عريضة تخفي عورات المستبد أربكت المدينة التي كانت تحلم بتحقيق إنجازات على مختلف الأصعدة، لاسيّما أنّها كانت تعرَف بالعاصمة الاقتصادية للبلد.

ضفاف التفتيت تُلقي بظلالها وتأثيراتها على الشخصيات، ذلك أن التغريب يظل السمة الأكثر طغيانا وتسيدا، فكل الشخصيات مغتربة عن ذاتها، بعيدة عن التصالح مع نفسها، هاربة من لعنات تلاحقها، ترنو إلى لحظات تستمتع فيها ببهجة الماضي ولذة الحلم، لكن الوقائع والممارسات المتتالية تفرض على الجميع سلوكيات بعينها، فمَن لم يختر ضفّة النظام والدوران في فلك الفساد والإفساد الممنهجَين يظل مطحونا بإجرام الأجهزة القمعية التي تسلب منه إنسانيته وأمواله تحت ذرائع شتى، وتبالغ في إيذائه والتنكيل به.
 
العار بدوره أحد المفاهيم التي يخصص لها خليفة تفاصيل مهمة من عمله، فتراه يستعيد التذكير بالعار بين الفصل والآخر، ويكون العار بدوره مجتاحا تفاصيل الحياة الجديدة، ويشير إلى اختلاف توصيفه والتعاطي معه وتعريفه، فما يفترض بأنه عار قد يبدو بحكم الترقيع والتجميل والاستبداد أمرا طبيعيا، وبالتالي تنقلب المعايير والأحكام والقيم وتتداعى الأولويات.

فالعار الأكبر المتجسد في تدمير البلد يوصَف بأنه تشييد لتاريخ جديد، ثم العار التالي المتمثل في تشويه الناس وتجريمهم يوصَف بأنه تطهير، كما يتجلى العار في التكتم على الموبقات التي ينشرها مَن يفترض بأنهم حماة المدينة والحريصون على سلامتها وأمنها.

يحمل بعض الشخصيات عار الآخرين، كحالة المعلّمة "هبة" التي يتم نزع ثيابها عنها وتعريتها في الشارع بتهمة معاداتها الحزب والدولة، فتكون بعريها عار الناظرين إليها المنكسين رؤوسهم خوفا وخجلاً مما يجري على مرأى ومسمع منهم، بينما لا يستطيعون المبادرة للقيام بأي فعل أو الحؤول دون إيذاء امرأة بريئة تتّهم انتقاما من موقفها ورأيها، في حين أن العار الحقيقي يظل ملتصقا بأولئك الذين يحاولون تمييع قيم المجتمع وخلق مجتمع يتقولب تبعا لرغباتهم وأهوائهم وأوهامهم بالهيمنة والاستغلال.
 
النقمة والغضب والتيه والجنون بعض مما يقود شخصيات خليفة في رحلتها نحو الغد، وفي رحلتها المعكوسة نحو ماضيها الذي يشكل أساس الحكاية وبؤرتها، وهي تمضي محمولة بمحنها المتعاظمة
التيه والجنون
يحتل الانشغال على التقاط بوادر البدء وبذوره بترييف المدن جانبا مهما في رواية خليفة، ذلك أن الترييف الذي تم بشكل مدروس ومخطط من قبل سلطة الانقلاب التي ينحدر معظم قادتها من الريف أربك المدن -ومثاله حلب- التي وجدت نفسها تغرب عن ماضيها وعراقتها وإرثها، لتزرَع فيها طقوس وعادات غريبة عنها، وبنوع من التزاوج القسري الذي ينتج التشوه، بدأت تلك المدن تفقد هويتها وملامحها لصالح هوية غائمة ضبابية تائهة.

لا تكون المدينة والحياة المدنية فيها من ضحايا الترييف، بل يحضر جانب من التضحية بأبناء الريف أنفسهم -كحالة الراوي نفسه- وهو واحد من أولئك الذين تلتهمهم المدينة، وتعيد تشكيلهم وتصديرهم، يفقدون ملامحهم وبراءتهم، يقفون على العتبات، يتوهون في البحث عن ذواتهم، يحارون في انتمائهم، يرجون الاستدلال إلى نافذة تنقذهم من أنفسهم وأهوال الحكايات والمآسي التي كانوا شهودا عليها أو حلقة من سلسلة الضحايا المتواترة فيها.

النقمة والغضب والتيه والجنون بعض مما يقود شخصيات خليفة في رحلتها نحو الغد، وفي رحلتها المعكوسة نحو ماضيها الذي يشكل أساس الحكاية وبؤرتها، وهي تمضي محمولة بمحنها المتعاظمة، تكشف عن خرائط أصبحت متاهات بحكم التشويه المستمر. ويكون البحث عن سكاكين مفقودة لقتل الأسرة والأولاد والأهل انتقاما من الذات وثأرا لها مما هي فيه من فظاعة وبؤس، وصرخة القاتل الذي هو قتيل بفعلته.

مصائر فجائعية مؤلمة يختارها الروائي لشخصياته، تعكس عمق الفجيعة التي تحياها، الجدّ يقضي في محطة القطار التي يحلم بتحديثها ويبالغ في تشبّثه بحلمه بها، وهو الذي يحمل وسام التميّز عن عمله السابق فيها، والأب الهارب إلى أميركا مع عشيقته يعكس التنكر والوفاء لأبنائه، وتركه لهم في مهبّ رياح هوجاء عاصفة، فيما الأم غارقة في أحزانها وهموم أولادها الأربعة، والخال نزار بجنونه وموسيقاه و"مثليّته" يرمز إلى حالة تبديد الجنس فضلا عن الهوية نفسها، كما أن سوسن ترمز بدورها إلى تماهي الضحية مع الجلاد وتقاطع الحلم السلطوي بالعهر واستغلال الجسد، فيما تكون الفتاة البسيطة عار الأسرة من وجهة نظر بعض أفرادها، وخاصة الأم الناقمة عليها وعلى نفسها وتاريخها ومدينتها وزوجها وأبنائها.
 
كأن الروائي يشير إلى قارئه ألا يتفاجأ بما يشاهده من عنف في الواقع السوري، ومن حقد على المدن وتاريخها، لأن ما كان متكتما عليه لم يكن بأقل فظاعة مما يظهر للعلن
خطاب الرواية
يمزج خليفة بعض فصول روايته -التي فازت مؤخرا بجائزة نجيب محفوظ للرواية- بحكايات قد تبدو للقارئ أنها من باب التخييل والفانتازيا، لا سيما أن واقع المراحل التي يحكي عنها يحفل بكثير من المفارقة السوداء والمرارة المؤلمة، تراه يعود بشخصياته إلى عالم الحلم والطفولة.

يسهب في الانتقال بها بين حقول الخس ومزارع الزيتون وكروم العنب، وتظل متشبثة بتلك البراءة برغم ما تعانيه من تأثيم وتشويه وتغريب طيلة عقود من حكم نظام يوقف البلد ومقدّراته للاستمرار في حكمه لا غير.

يحمل خطاب الروائي كثيرا من الإسقاطات الواقعية، وخاصة في ظل الثورة المستمرة التي جهد النظام على إخراجها من سكتها السلمية وتحويلها إلى مسلحة وإبرازها على أنها حرب بين مكونات أهلية وطائفية، في حين أن إشارات ذلك كله كانت جمرا متقداً منذ عقود تحت رماد المجتمع الذي سعى إلى تقييده والتنكيل به بوسائله المتعددة.

ممهّدات المجريات الحالية في سوريا -وفي حلب خاصة- حاضرة في رواية خالد خليفة الذي يعود إلى التاريخ ليقف على بعض الأمور التي قد تستغلق على البعض، أو قد تستعصي على الفهم في الراهن، حيث إن العنف الذي يتجلى واقعا يحضر كأحد الوسائل المعاصرة لسلطة دأبت على التعامل بها مع المواطنين.

وتكون أحداث الثمانينيات النقطة المركزية التي يعود إليها ليبرز تجلياتها الجديدة على أيدي النظام بأدواته المتلونة نفسها، وبشعاراته المعمقة لشروخ المجتمع نفسها أيضا.

وكأن الروائي يشير إلى قارئه ألا يتفاجأ بما يشاهده من عنف في الواقع السوري، ومن حقد على المدن وتاريخها، لأن ما كان متكتما عليه لم يكن بأقل فظاعة مما يظهر للعلن.

المصدر : الجزيرة