غلاف رواية "شرفة الهاوية" لإبراهيم نصر الله (الجزيرة)
نزار الفراوي
 
تنتمي رواية "شرفة الهاوية" لإبراهيم نصر الله إلى مشروع روائي يحظى بمتابعة نقدية متواصلة تحت اسم "الشرفات"، صدرت عن الدار العربية للعلوم ببيروت عام 2013. وهي تعقب صدورا متواليا لكل من "شرفة الهذيان" (2005) و"شرفة رجل الثلج " (2009) ثم "شرفة العار" (2010)، علما أن الأمر يتعلق بروايات مستقلة موضوعا.

يبدو فضاء الرواية بمثابة مسرح دائري تتناوب فيه الشخصيات على أداء الشهادة على حياتها وواقعها عبر الارتباط بشخصية محورية تشكل بمعنى ما المتهم في فصول محاكمة تتجاوز البعد الفردي، لتغدو صك اتهام مشحون ضد الطبقة المهيمنة على السلطة السياسية ومقدرات البلاد ومصائر العباد.

البطل المدان في الرواية هو "سلمان بيك"، الوزير النافذ الذي راكم الثروة من ممارسة السلطة التي تسلل إليها من واجهة المحاماة، أما الشخصيات الأخرى التي تتناوب على سرد وقائع حكاياتها مع الشخص "الغول" فهي أساسا "كريم"، الجامعي الذي يشتغل أستاذا في جامعة خاصة يملكها سلمان بيك، ويقع خادما مشلول الإرادة، ورهينة لنزوات السلطوية المريضة.

وهناك "ديانا" المحامية زوجة المحامي/الوزير، التي تحاول الخروج من وحل حياة بائسة مع رجل "مفرط في أنانيته" أنهكها استغلالا، وبدرجة أقل، "نهى" تلميذة الأستاذ كريم التي تورطه في تحرش جنسي، يلقيه خارج الجامعة قبل أن ينتشله مرة أخرى الوزير الآمر مقابل إرضاء رغبات مريضة.

تقدم "شرفة الهاوية" نقدا اجتماعيا سياسيا حادا، بغير توغل في الشعاراتية والنقاشات الكبرى والعناوين الكلية للصراع وممارسة الحكم، بل تراهن على حكايات إنسانية صرفة قابلة للتمثل لدى الجميع

صناعة النخب
تتوالى مقاطع الرواية وتتشابك على لسان الشخصيات لتصنع الصورة المتكاملة "البازل" للغول/سلمان، الرجل الذي تجسدت فيه قيم السلطوية والانتهازية وأنانية الاستحواذ على كل شيء، مادي أو رمزي.

إنها شهادات تسلط الضوء على نظام القيم المختل الذي يؤطر صناعة النخب في البلاد. وتكاد البلاد هنا لا تذكر اسما، ولو تواترت الإشارات المحيلة إلى الأردن، إذ إن النص نبض سردي بامتياز لجميع بلاد العرب، على وجه المطابقة التامة، بمجرد تعويض أسماء الأمكنة بغيرها.

هكذا تقدم "شرفة الهاوية" نقدا اجتماعيا سياسيا حادا، بغير توغل في الشعاراتية والنقاشات الكبرى والعناوين الكلية للصراع وممارسة الحكم، بل تراهن على حكايات إنسانية صرفة قابلة للتمثل لدى الجميع، "عادية تقريبا".

تضرب في أعماق الذات الفردية للمتسلط وللضحية، تكتب هشاشتها الفادحة، لتنتج رؤى وتنضج وعيا شاخصا تجاه بنيان متهالك تنخره قيم الهدم وحضيض الشهوة الغابوية، وتغيب عنه أنظمة الحكامة والعدالة والشفافية.

والجدير بالملاحظة في هذا السياق أن هذا الأفق النقدي السياسي الاجتماعي لا يلهي الكاتب عن الجد في رسم الأبعاد النفسية الدقيقة للشخصيات والعناية الشديدة بمستويات اللغة تبعا لتعدد أصوات الحكي. هي بورتريهات مصاغة بأيدي رسام، وإبراهيم نصر الله بالفعل تشكيلي محترف تسعفه موهبة محاكاة الأشكال وإعادة صوغها في رفع مستوى الدقة والإجادة في تقديم الشخصيات وتسطير حركتها ومواقفها.

لا مجال للفراغ وحاشية الحكاية، المقاطع الأكثر ثانوية تؤدي وظيفة إنتاج المعنى وتصعيد النفس السردي وإسناد المضمون وتوسيع هامش الرؤية من الخاص إلى العام، من الحاضر إلى الماضي، ومن الذاتي إلى الجماعي.

لا تنضبط مقاطع الرواية لكرونولوجيا دقيقة، لكنها تتراص في المدى الروائي لتصنع بانوراما مشهد مجتمعي (محلي وعربي مماثلة) تستأثر فيه قيم سياسية وأخلاقية بدائية وأنماط علاقات يتناسل عبرها الفساد المفضي الى الاحتقان... ثم الانفجار.

ولم يكن صدفة أن تتزامن السطور الأخيرة التي تقفل لعبة الشهادات هاته، مع نشرة أخبار على مذياع السيارة تنقل بشائر سقوط النظامين التونسي ثم المصري، وانبلاج فجر جديد لم تتكشف معالمه.

يحقق نصر الله معادلة صعبة بين انسجام راق ودقيق لوحدات الحكاية الكلية وتعددية الأصوات بما يجعل المونولوغ المكتوب لكل شخصية لغة بوح متدفق، سليلة تجربتها الخاصة وتكوينها وعلامة جرحها الوجودي

انعطافات فانتازية
إنها رواية واقعية بالحدث والنتيجة، بالمقدمة والمآل المتوقع للحال، لكنها على غرار الأسلوب الذي يطبع جل روايات نصر الله، تأخذ انعطافات فانتازية، حين تراهن على سبر أغوار الشخصيات، المهيمنة والمهيمن عليها على حد سواء، فتسائل تخوم الحلم وأقاصي الذاكرة البعيدة، ولعبة النسيان، ومنطق التعويض عن الخسارات وجنون جبر الضعف والعجز، ومدارات الألم والخوف، وهي كلها مناطق حساسة تنتج سلوكيات وردود أفعال غير سوية في احتكاكها بالسلطة، ممارسة لها أو انفعالا بها.

ولعل واحدا من العوالم المثيرة التي صنعها إبراهيم نصر الله وغاص في فانتازياتها، تلك العلاقة التي قامت بين الوزير سلمان والجامعي كريم. فسلمان أعاد تشغيل كريم "المتحرش جنسيا" في جامعته مقابل خدمة غريبة لكنها طافحة بالدلالات: أن يكتب له باستمرار قصصا عن مغامراته الجنسية التي عاشها عبر مساره الجامعي داخل وخارج البلاد.

لا يلبث الوزير (الذي يفتقد إلى ماض "مشرف" في العلاقة مع الجنس اللطيف) أن ينسب تلك المغامرات إلى نفسه، فيحكيها متباهيا بصولات مكذوبة في سهراته الخاصة لزملاء مختارين من الطبقة العليا، وبحضور مؤلف الحكايات: الأستاذ كريم.

في رواية "شرفة الهاوية"، كما في غيرها من درر المتن الروائي، يبدو إبراهيم نصر الله، وهو الشاعر الذي يضاهي حضوره المتألق في القصيدة الحديثة نظيره في المتن السردي العربي، شديد الحرص على حماية نصه من طغيان اللغة الشعرية. فلا غلو في ارتياد آفاق الاستعارة، بل احتفاء بحكي مادي يستنفر ذاكرة الشخصيات، وحواسها المباشرة.

ويحقق نصر الله معادلة صعبة بين انسجام راق ودقيق لوحدات الحكاية الكلية وتعددية الأصوات بما يجعل المونولوغ المكتوب لكل شخصية لغة بوح متدفق، سليلة تجربتها الخاصة وتكوينها وعلامة جرحها الوجودي.

المصدر : الجزيرة