في دكانه الصغير الواقع في زقاق صغير بقلب منطقة العشار مركز مدينة البصرة، يجلس الخطاط مهدي البدوي، وهو واحد من أقدم الخطاطين في البصرة، منشغلاً بحروفه التي يستأنس بتشكيلها، وما زال يستخدم أدواته القديمة.

البدوي: الحاسوب يُفقد الإحساس بالخط لجزيرة)

عبد الله الرفاعي-البصرة

في دكانه الصغير الواقع في زقاق صغير بقلب منطقة العشار مركز مدينة البصرة، يجلس الخطاط مهدي البدوي، وهو واحد من أقدم الخطاطين في البصرة، منشغلاً بحروفه التي يستأنس بتشكيلها، وما زال يستخدم أدواته القديمة ولم تستطع التقنيات الحديثة أن تخلصه منها بعد أن أصبحت تلك الأدوات جزءا من حياته، وما زال يحتفظ بقصبات انسلّت منها حروف شكلت كلمات تحكي قصة الأمس.

دكان البدوي عبارة عن متحف لتأريخ الخط في البصرة، أكوام من اللوحات التي تحمل خطوطا مختلفة، وما أن تدخل عليه يقودك إلى ماضيه يتصفح ألبوم صوره، هنا صورة تعود إلى الستينيات من القرن الماضي وأخرى إلى ما قبلها، كل صورة تجد فيها رائحة الماضي، هو منجذب لماضيه ويأسف لما آل إليه وضع الخط العربي والخطاطين اليوم.

ويحكي الخطاط مهدي كنش البدوي (71 عاماً) للجزيرة نت أنه عشق الخط العربي منذ طفولته متأثراً بالخطاطين المعروفين هاشم محمد البغدادي المولود في بغداد عام 1921 والمتوفى فيها عام 1973، وعباس جودي البغدادي.

الزقاق الذي يعمل فيه البدوي بمنطقة العشار (الجزيرة)

غير أن البدوي تمكّن من تطوير إمكانياته الخطية بشكل فردي من خلال الممارسة اليومية حيث اشتغل في بغداد مطلع ستينيات القرن الماضي في عدة مجلات عراقية بصفة خطاط مانشيت، منها مجلة المتفرج البغدادية واستمر بالعمل فيها حتى عام 1966.

بعدها انتقل الخطاط إلى البصرة واشتغل بعدة مطابع كانت موجودة أواخر الستينيات في البصرة منها مطبعة حداد للأديب البصري يوسف يعقوب حداد (يرحمه الله) والتي كانت تطبع عدداً من الصحف والمجلات منها جريدة النهار لصاحبها عبود شبر (يرحمه الله) والجنوب الرياضية لصاحبها كاظم جبارة (يرحمه الله) ومجلة القوة الجوية.

تقنيات حديثة
وبالرغم من دخول التقنيات الحديثة وتضمين الخط العربي فيها فإن البدوي لم يرق له الخط الذي يسميه "الكومبيوتري" (الحاسوبي) لأنه ووفق رأيه يفقده الإحساس بالخط وبصمة الفن فيه التي يتركها الخطاط، فضلاً عن أن خطوط الحاسوب -على حد وصفه- رديئة، ولهذا فإن تقنية الحاسوب دمرت الخط العربي.

وذكر أن استخدام المواد التقليدية في الخط العربي يتيح للخطاط أن يتفنن بها وأن يبدع وتترك أثراً نفسياً في المتلقي، وأشار إلى أنه بالرغم من أن استخدام الخط اليدوي يأخذ منه وقتاً طويلاً فإن ذلك لا يمنعه من ممارسة الخط مع تقدم سنه، ولفت إلى أن التقنيات الحديثة أخذت كثيراً من مهنة الخطاطين وأثرت على مهنة الخط وحولت أناساً لا يعرفون حتى أسماء الخطوط العربية إلى خطاطين.

ويستذكر البدوي أهم الخطاطين الذين عملوا في البصرة فمنهم من توفاه الله ومنهم من ابتعد بسبب عدم قدرته على ممارسة المهنة وسط منافسة المحال التجارية التي تقدم أعمالاً بوقت قصير وألوان زاهية تغري زبائنهم، ومن أولئك الخطاطين خضير الخطاط وعلي نعيم ومنعم موسى وخليل البدوي وعبد الكريم الرمضان.

الخطاط ذياب التميمي (الجزيرة)

وذكر الخطاط البصري ذياب التميمي أن تجربة البدوي جديرة بتسليط الضوء عليها خاصة وهو يبتعد كثيراً عن الأضواء وعن الإعلام، فهو يعمل بصمت في المكان الذي لم يغيره.

وأضاف التميمي أن السنوات الأخيرة شهدت محافظة البصرة انحسار محال الخطاطين بسبب تقنية الحاسوب وما يوفره من خطوط وألوان "دون بذل أي جهد" وما بقي من الخطاطين يعدون على الأصابع وأغلبهم كبار في السن ومنهم الخطاط مهدي البدوي.

وأشار إلى أن الخطاطين يمتلكون موهبة الخط قبل أن يكون الخط مهنة لهم، وأن روح العمل الفني يختلف عن الصناعة، إذ أن استخدام خطوط الحاسوب صناعة لا ترتقي إلى الخط اليدوي.

المصدر : الجزيرة