أشرف الخمايسي: لم أر أو أقرأ أي استهجان أو استنكار بخصوص روايتي "منافي الرب" (الجزيرة)
حاوره/هيثم حسين
 
يؤمن الروائي المصري أشرف الخمايسي بدور الرواية التي تمثل له الحلم الإنساني الذي لا يقبل المحاكمة، ويعتقد بأهميتها الكبيرة لتزكية الوعي البشري.

يقول الخمايسي الذي اختيرت روايته "منافي الربّ" ضمن اللائحة الطويلة لجائزة "البوكر" إن رحلة الإنسان في هذه الحياة هي رحلة البحث عن تلك الشيفرة التي ستمكنه من فك طلسمات معادلة الفناء لصالح البقاء.

ويرى صاحب "الصنم" أنه كتب ملحمة إبداعية خلاقة في "منافي الرب" ستضيف إلى عدالة من يمنحها حقها كثيرا من الموضوعية والنزاهة، ومهما كانت اختيارات البوكر بالنسبة له فإن روايته خرجت من القمقم، وستشيع إدهاشها في هذا العالم، كما يقول. الجزيرة نت التقت الخمايسي وحاورته حول روايته وترشيحه للبوكر.

يتشعب المنفى في "منافي الربّ" يكاد يكون سيّد الزمان والمكان بما ومن فيهما، إلى أية درجة تعكس بذلك حالة النفي التاريخية والواقعيّة في عالمك الروائيّ؟

غلاف رواية "منافي الرب" للمصري أشرف الخمايسي (الجزيرة)

- الدرجة "زيرو" بالتأكيد، فالرواية تتناول المنافي لصالح المشاركة الإنسانية الفعالة، تناولت اليأس لصالح الأمل وتعاملت مع الفناء من أجل البقاء، وعاش "حجيزي" (في الرواية) مع الموت كي يصل إلى الخلود، بحيث وإن بدت الرواية غنائية للموت، كان الأمر دائما يسير لصالح الحياة.

النسيان هو الموت الحقيقي، ولم يستسلم "حجيزي" للقبر إلا عندما أخذ صك الضمانة من "المعزّي" بأن هناك كاتبا ملهما سوف يكتب ملحمته التي أدارها ضد الدفن، في سفر خالد يجابه به النسيان ليبقى مذكورا أبد الدهر.

يبحث عدد من أبطال روايتك عن الراحة والسكينة، ينبشون الصحارى بحثا عن الخلود، ثمّ يعودون إلى عالم الذات بنوع من التسليم القدَريّ، وانتظار المعزّي – المهديّ، هل يكون الاشتغال للتحريض على إبقاء مبادرة البحث مستمرّة ومتجدّدة أم الاعتبار من دروس التاريخ والواقع؟

- في الروايات (كما في الدنيا) يبقى الإنسان في حالة بحث عن الراحة والسكينة، وإذا وجدهما اغتنمهما فورا ولو بالانتحار، بل كل ما تقدمه الديانات للبشرية كمكافأة على حسن الطاعة والعبودية لله هو وعد بجنات مملوءة بالراحة والسكينة، كذلك الدساتير والحكومات الديمقراطية، غاية نجاحها تقديم الراحة والسكينة لشعوبها. والحقيقة هما هدفان رائعان قطعا، لكن لن يكون أبدا الخلود في دنيا شرط حركتها إلى الأمام هو الموت، هو الحل.

الرواية لم تحفل بأي تاريخ، بل مرت عليه دائما مرور الكرام، تأخذ منه ما يخدم بناءها فقط، لأن القضية كانت أكبر من هذه الصراعات الإنسانية

لذلك "حجيزي" كان الوحيد من بين أبطال الرواية الفاعلين الذي اهتم بقضية البقاء، "سعدون" مثلا لم تهمه هذه القضية قط بل صرح بأنه يتمنى أن يدفن بعد موته. "غنيمة" كان مشغولا ببطله المملوكي المغوار "شقمق بك"، ولم يفكر مطلقا في المصير النهائي. وأنا أرى أن رحلة الإنسان في هذه الحياة هي رحلة البحث عن تلك الشيفرة التي ستمكنه من فك طلسمات معادلة الفناء لصالح البقاء.

تنتمي إلى جنوب مصر وقد عشتَ في مدينة الأقصر الأثريّة التي هي أشبه بمتحف طبيعيّ، وقد عرف عن الفراعنة مهنة التحنيط، وبطلك "حجيزي" ورث التحنيط عن والده، فهل ترمي إلى إحياء التراث أم هناك غايات أخرى اقتضاها الاشتغال الروائي؟

- الحقيقة أن كل الشعوب تعاملت مع الموت كحد فاصل، وقاطع، بين الحياة الأولى هنا، والحياة الآخرة هناك، إلا المصريين القدماء، الذين تعاملوا معه بنعومة مدهشة، فلم يقروا له بهذه القسوة، وإنما جعلوه مرحلة يمتزج فيها الدنيوي بما هو أخروي، فجعلوا القبور منازل، وفي بعض الأحيان قصورا مثل الأهرامات، وزينوها من الداخل بالمنحوتات والرسومات، وبهرجوها بالألوان الناصعة، وزودوها بنماذج لكل ما كان يحبه الميت في حياته.

 لقد نقلوا جزءا من الحياة إلى القبر، جزءا كافيا كي يشعر الميت بالونس حتى ميعاد البعث والولوج إلى الحياة الآخرة، وحرصوا على ما كان يحلم "حجيزي" به، تحنيط الجسد كي يبقى مكتملا في بهائه الإنساني.

يحضر في روايتك نوع من "السجال" بين معتنقي الإسلام والمسيحيّة، ثم توجّه إلى الإنسان كغاية، هل تشير بذلك إلى حوار الأديان المفترض أم إلى تطويع المصالح والرغبات والنفوذ للأديان وإبقاء الصراع متفعّلا؟

من حق نفسي علي، ومن حق مقدرتي الإبداعية أن أحترم ما أكتبه أيضا، وأقول: إنني كتبت، في "منافي الرب"، ملحمة إبداعية خلاقة، ستضيف إلى عدالة من يمنحها حقها كثيرا من الموضوعية والنزاهة

- لا أعتقد أن ثمة سجالا حقيقيا بين المسلمين والمسيحيين في "منافي الرّب"، وما ورد من اختلاف الرؤى كان فقط لتوضيح الأسباب التي أدت إلى هجرة "صبحي" المسيحي من بلد غالبيته مسلمون يتعاملون مع القلة المسيحية باستعلاء، وهذه حقيقة واقعة وملموسة في الإنسانية عموما، الغالبية دائما تمارس سطوتها. ومن حظ المسيحيين في "مصر" أنهم صاروا أقلية، وأقلية في بلد عموم ناسه غير متعلمين، والمتعلمون غير مثقفين، والمثقفون يمارسون إقصاء الآخر بمنتهى الأريحية الفكرية.

لكن الرواية لم تحفل بأي تاريخ، بل مرت عليه دائما مرور الكرام، تأخذ منه ما يخدم بناءها فقط، لأن القضية كانت أكبر من هذه الصراعات الإنسانية. ولو دقق القارئ النظر جيدا في محتوى الرواية سيجد أن السجال الحقيقي دار بين أبناء المعتقد الواحد.

قوبل ترشيح "منافي الربّ" للقائمة الطويلة لـ"البوكر" من قبل بعض المشتغلين بالوسط الثقافي المصريّ بشيء من الاستهجان، ولاسيّما أنّ بعضهم في مؤسّسات رسميّة كانت قد تبنّت موهبتك بداية، بمَ تفسّر ذلك؟

- أنا لم أر أو أقرأ أية استنكارات أو استهجانات، بالعكس لقد وصلتني عشرات التهاني من مصر وبعض الدول العربية، مؤكدة على استحقاق "منافي الرّب" لأول مراكز "البوكر"، ووصلتني مجموعة من الدراسات القيمة التي تعاملت مع هذه الرواية كرواية مستوفية لكل شروط الإبداع العالمي، لكن لا يعني هذا أن هناك -لسبب أو لآخر- من يرى عكس ذلك تماما.

عموما، أنا أحترم آراء الجميع، هذا حقهم علي، لكن من حق نفسي علي ومن حق مقدرتي الإبداعية أن أحترم ما أكتبه أيضا، وأقول: إنني كتبت في "منافي الرب"، ملحمة إبداعية خلاقة، ستضيف إلى عدالة من يمنحها حقها كثيرا من الموضوعية والنزاهة، وسواء فازت بـ"البوكر" أم لا، فقد خرجت "منافي الرب" من القمقم، وستشيع إدهاشها في هذا العالم.

المصدر : الجزيرة