"شهادات الأسر ومشاهد الكتابة.. ميغل دي سيرفانتس في الجزائر"  (الجزيرة)
فرحات جلاب- الجزائر
 
لا يعد كتاب "شهادات الأسر ومشاهد الكتابة.. ميغل دي سيرفانتس في الجزائر (1575-1580)" للباحث محمد عبد الكريم أوزغلة الأول في تلمس أثر الجزائر على أدب الإسباني سيرفانتس، صاحب العمل التأسيسي الأول للرواية في العالم حسب نقاد الأدب، ولكنه يأتي إضافة محترمة إلى الدراسات التي تتبعت أديب إسبانيا الأكبر في أعماله المتأثرة بالجزائر.

وتجاوز الكتاب السرد إلى تطبيق المنهج العلمي في البحث الذي أُنجز داخل أسوار الجامعة، حيث صرامة المنهج وتقفي الحقيقة داخل الإطار العلمي، وقد قدم الكتاب عريضة سيرفانتس مترجمة إلى اللغة العربية لأول مرة، وهي وثيقة تاريخية قانونية تسلط الضوء على فترة وجود سيرفانتس في الجزائر، وهو الذي قضى خمس سنوات من عمره أسيرا فيها من عام 1575 إلى 1580.

طرح الباحث السؤال: ما دامت الوثيقة صريحة في إشارتها إلى تجربة أسر سيرفانتس في الجزائر، فكيف يقدم نص "قصة الأسير" من جهته هذه التجربة؟ وكيف يتجلى "الأسر" وقرينه الرغبة في "التحرر"؟.

يقع الكتاب في 190 صفحة، قسمه صاحبه إلى ثلاثة فصول، كان أولها سردا لسيرة سيرفانتس ثم أسره، وذكر الباحث كل المحاولات التي قام بها سيرفانتس للفرار بلا جدوى، ثم تأتي ترجمة عريضة سيرفانتس إلى مجلس الملك فيليب الثاني في الفصل الثاني، وهي المنجزة قبل مغادرته أسره في الجزائر في عام 1580، أما الفصل الثالث فهو دراسة تطبيقية لـ "قصة الأسير".

قصة الأسير هي نص أدبي سردي مدرج ضمن نص القصة الإطار "دون كيخوته دي لامانشا"، وتعتبر جزءا من العمل الروائي الكبير، الذي يظهر فيه موضوع أسر سيرفانتس بشكل واضح

العريضة المترجمة
قدم الكتاب إضافة مهمة بترجمة وثيقة صريحة في إشارتها إلى تجربة أسر سيرفانتس في الجزائر، وعن سيرته وسلوكه أثناء تلك الفترة، والوثيقة هذه هي عبارة عن عريضة طلب إنجازها سيرفانتس نفسه من أجل إجراء تحقيق عن سيرته في الجزائر لما رأى محاولات لتشويه صورته.

وفي العريضة شهادات كثيرة لأسرى إسبان كانوا معه، أشاروا إلى حسن سلوكه وشجاعته أثناء هذه المرحلة المهمة من حياته، وهي موجهة إلى مجلس صاحب عرش إسبانيا. وثيقة استأنس الباحث بها كثيرا وهو يلقي الضوء على حياة سيرفانتس في الجزائر، ومحاولاته المتكررة للفرار، أو هي -كما يقول الباحث- النص الخلفي التاريخي لـ "قصة الأسير".

وقصة الأسير هي نص أدبي سردي مدرج ضمن نص القصة الإطار "دون كيخوته دي لامانشا"، تعتبر جزءا من العمل الروائي الكبير، ويظهر فيه موضوع أسر سيرفانتس بشكل واضح، وإن كان الأديب الإسباني قد غير شيئا ما في مجرى الأحداث والشخصيات والأمكنة، كما يفعل كثير من الكتاب.

لقد قام المؤلف بهذه المقارنة بين سيرة سيرفانتس الساعي وراء المجد والمال من خلال خدمته في الجيش الصليبي، و"قصة الأسير" المحارب الإسباني الذي بانت نذر سطوع نجمه وهو راجع من إيطاليا، حاملا رسائل إلى مليكه في قشتالة، بعد أن أظهر شجاعة كبيرة في حربه ضد العثمانيين، حدّ فقد القدرة على استعمال ذراعه اليسرى، وإذ به يقع  أسيرا عند الجزائريين، فتبدأ رحلة عذاب ومحاولات للفرار أربع، كلها كانت فاشلة، وهي الأحداث التي كانت أصل حكاية "قصة الأسير".

وتبدو تجربة الأسر وحضور الجزائر التي عرفها طيلة خمس سنين كثيرة الدوران في أعمال رائد الرواية في العالم، كما يقول الباحث، سواء بطريقة صريحة أو ضمنية، إذ لا يكاد مؤلف واحد لسيرفانتس يخلو من ذكر الجزائر أو الإشارة إليها أو وصف ما حدث له فيها أثناء أسره في عاصمتها أو مدينة وهران، كما ينقل الباحث عن دارسين آخرين.

لقد عرف كاتب إسبانيا الأكبر زخم أدبه الحقيقي ونضجه الواضح بعد عودته من الجزائر، وبخاصة في رائعته "دون كيخوته دي لامانشا"، كما يقول كثير من دارسي أدبه

صدمة الأسر
لقد تحدث سيرفانتس عن موضوع الأسر وعالجه في أكثر من عمل، وهو أمر شكّل -كما يرى الباحث- صدمة كبيرة لأديب إسبانيا الأكبر، فقد حال دون تحقيق ما كان يصبو إليه من مجد وثراء، وحرف مسار حياته كلها، وهو عائد من إيطاليا يحمل التوصيات الواعدة من قادته العسكريين إلى الملك فيليب الثاني في خريف عام 1575.

يظهر تأثير الأسر والجزائر في أعمال مثل "سجون الجزائر" و"الحياة في الجزائر" و"معاملات الجزائر" و"الإسباني الشجاع" و"السلطانة العظيمة" و"الإسبانية الإنجليزية" و"محاورة الكلاب"... لقد عرف كاتب إسبانيا الأكبر زخم أدبه الحقيقي ونضجه الواضح بعد عودته من الجزائر، وبخاصة في رائعته "دون كيخوته دي لامانشا"، كما يقول كثير من دارسي أدبه.

يقول الباحث إنه فتح بابا من أبواب كثيرة في أدب سيرفانتس أو كما قال "أعمال سيرفانتس الجزائرية" من قصص ومسرحيات فضلا عن الروايات، إذ لا يمكن الإحاطة بجميع أعمال سيرفانتس التي يبدو فيها تأثير الجزائر.

لقد بذل الباحث محمد عبد الكريم أوزغلة جهدا كبيرا بالاعتماد على المنهج الموضوعاتي في دراسة "قصة الأسير"، في وقت تنتظر أعمال سيرفانتس الأخرى دراستها من مناح كثيرة خاصة في ظل وجود الجزائر فيها، ولهذا رأى الباحث أنه قدم إسهاما في انتظار اجتهادات أخرى.

المصدر : الجزيرة