غلاف كتاب "لبلابي كونكشن" للناقد السينمائي التونسي خميس الخياطي (الجزيرة)
كمال الرياحي-تونس
 
ما زالت ثقافة قراءة السيناريوهات عربيا غائبة، فلا دور نشر ترحب بنشر السيناريوهات ولا قراء يقدمون عليها. في أقصى الحالات تجد تلك النصوص ملجأ لها في بعض الدوريات التي حاولت أن ترسي تقليدا غير رائج عربيا، وهو نشر سيناريو لفيلم عالمي ضمن كل عدد.
 
كما أن القارئ العربي ما زال قارئا عاطفيا غير معني بالصنعة، يميل نحو الأعمال الأدبية التي تغدق عليه بالمشاهد الانفعالية من خلال جملها الشعرية التي تنسيه أحيانا ضرورات الجنس الأدبي ومتطلباته الجمالية.
 
هذا المتلقي سيجد نفسه في مأزق حقيقي أمام السيناريو القائم على لغة التكثيف بدل الإطناب، والدقة  بدل الغموض، فلو افترضنا أن السيناريو أدب، فهو أدب التحكم في الزمن، وإذا ما استحضرنا علاقته الوجودية بالسينما فهو أدب الاقتصاد في الكلمة.
 
سيناريو فيلم "العزيمة" لكمال سليم صدر في كتاب (الجزيرة)
التخييل والصورة
يقوم السيناريو على إحالة النص بشكله المقروء بما فيه من سردية وتخييل ورمزية إلى الشكل المرئي والمتحرك، بمنح الشخصيات حياة ضمن إطار الصورة والمشهدية السينمائية، وبما يتيح تفكيك عناصر النص المكتوبة إلى حركة وصورة وكلمة، دون إلغاء المعطيات الموضوعية الأساسية للمنتج الأدبي.

ويذهب بعض النقاد والمشتغلين بالحقل السينمائي إلى اعتبار السيناريو نوعا أدبيا مستقلا، ويتبنى هذا الرأي مثلا كاتب السيناريو المجري بيلا بالاش (Bela Balasz) صاحب كتاب "نظرية الفيلم" في قوله "السيناريو هو شكل أدبي مستقل ومن نوع خاص، مثلما هو الحال بالنسبة للمسرحية المكتوبة".

ويضيف الكاتب المجري أن السيناريو "لم يعد إكسسوارا تقنيا، ولا سقالات ترفع بعيدا بمجرد أن يتم بناء البيت، ولكنه أصبح شكلا أدبيا جديرا بقلم الشعراء، ويمكن نشره في كتاب للقراءة".

ويذهب بلاش إلى أن هناك سيناريوهات سينمائية موجهة للقراءة، ولا يمكن تصويرها في فيلم، مثلما توجد مسرحيات لا يمكن تقديمها على المسرح أبداً. مع ذلك فمثل هذه السيناريوهات -كما يقول- ليست روايات ولا قصصا قصيرة ولا مسرحيات، إنها سيناريوهات سينمائية تنتمي إلى شكل أدبي جديد.

في المقابل نجد المؤسسة النقدية العربية الكلاسيكية تستبعد فكرة اعتبار السيناريو عملا مكتملا أصلا قبل تجسيده فيلما، إذ يقول الناقد علي أبو شادي "رغم الأهمية الفائقة للسيناريو باعتباره الأساس لأي فيلم، إلا أنه يعد عملا غير نهائي وغير مكتمل... حيث لا قيمة له دون تحقيقه وتصويره أي تحويله إلى فيلم... فالسيناريو دائما مشروع ناقص... جنيني لا يكتسب وجوده وشرعيته إلا من خلال شريط السليولويد".

ويقف علي أبو شادي على طرف نقيض من بيلا بالاش، حيث يرى أن السيناريو يختلف عن النص المسرحي الذي يمكن أن يوجد، وأن يُطبع وينشر بمعزل عن تنفيذه على المسرح، أو دون ارتباط بعملية التنفيذ.

هذه الرؤية النقدية العربية هي التي جعلت السيناريو يبقى سجين أرشيفات المخرجين ومؤسسات السينما، فلم نقرأ سيناريوها مكتوبا ومطبوعا على شكل كتاب من السينما العربية سوى أعمال نادرة تبنتها مؤسسات الدولة أو مؤسسات السينما أو المؤسسات الجامعية قصد تقديمها كنماذج عملية لطلبة السينما، كسيناريو فيلم "العزيمة" لكمال سليم مثلا، أو مغامرة التونسي خميس الخياطي في كتابه "لبلابي كونكشون".

"

علي أبو شادي:
رغم الأهمية الفائقة للسيناريو باعتباره الهيكل الأساسي لأي فيلم، فإنه يعد عملا غير نهائي وغير مكتمل

صناعة الجمال
وقد خصص الباحث المصري محمد السيد شوشة فصلا من دراسته لأدبية السيناريو تحت عنوان "العزيمة كعمل أدبي"، ويعتبر أن السيناريو وإن كتب للشاشة مباشرة كعمل فني، فإن فيلم "العزيمة" بعد أن أصبح "من روائع السينما العالمية المائة في عصره، كما أصبح عملا فنيا خالدا في تاريخ السينما المصرية والعالمية، لا بد أن يدخل بعد ذلك في عالم الأدب، كقصة سينمائية تعتبر من روائع الأدب المصري".

وتبدو هذه الذريعة غير دقيقة وغير مجدية في تأصيل السيناريو كعمل أدبي، فليس دخول الفيلم لقائمة أشهر الأفلام هو ما سيجعل السيناريو عملا أدبيا.

رغم ذلك التقديم الذي أشاد فيه محمد السيد شوشة بأدبية هذا السيناريو، ورغم تدخلاته في صياغته النهائية للنشر "بطريقة يسهل تذوقها على القارئ غير الدارس لمفردات اللغة السينمائية"، فإن الكتاب لم يلقَ رواجا جماهيريا ولم يخلق عادة في تلقي هذه الأعمال.

إن قراءة بعض سيناريوهات الأفلام العالمية كشفت عن شعرية عالية لهذه الكتابة التي تستند إلى حبكة سردية متينة وحوار رشيق يدفع بالأحداث نحو التطور ويبني الشخصيات، كما يشكل الحوار أحيانا لغة جديدة تخلق بدورها شعريتها الخاصة المنسجمة مع الصورة التي ستتشكل على الشاشة، التي سبق لها أن تشكلت في ذهن المخرج قبل ذلك.

هذه القراءة تمثل مخرجا مؤيدا لأدبية السيناريو، ولكنها تطرح إشكالا آخر، لأن هذا الجنس الأدبي الافتراضي يشترط إبعاد المتلقي الكلاسيكي للأعمال الأدبية بكل ثقافته الكسولة المنتظرة للوصف والسرد المفسر لمصلحة متلقٍ جديد أكثر فطنةً وذكاء واستعدادا للمشاركة في إخراج العمل في ذهنه، وهنا تكتمل أدبية السيناريو.

وبهذا الاستعداد يمكن قراءة سيناريو "ذبابة الحانة" لبوكوفسكي، كما يمكن قراءة سيناريو "العزيمة" أو "الطوق والأسورة" لخيري بشارة أو "عرق البلح" لرضوان الكاشف أو "شحاذون ونبلاء" لأسماء البكري.

المصدر : الجزيرة