صورة أرشيفية للمطران بشارة غريغوريوس حجّار (الجزيرة)

وديع عواودة-حيفا

73 عاماً مرت على رحيل المطران بشارة غريغوريوس حجّار اللبناني الأصل، وما زال الفلسطينيون يتذكرونه بفضل دفاعه عن وطنهم وعروبته، وانفتاحه على الإسلام ومساهماته في تقديم مختلف الخدمات لهم، وبفضلها أطلق عليه لقب "مطران العرب".

في حيفا -مقر كرسي مطرانيته- صدر كتاب جديد للمؤرخ جوني منصور بعنوان "رؤية معاصرة لحياة وأعمال المطران حجّار" يوثق سيرة رجل الدين المسيحي الذي برز بنشاطه الاجتماعي والسياسي ضد المشروع الصهيوني.

ولد بشارة حجّار في قرية روم جنوبي لبنان عام 1875، وتتلمذ في دير المخلص بصيدا ثم في القاهرة. ولما بلغ الـ22 من عمره سمي شماساً في كاتدرائية نيقولا بصيدا.

ويوضح الكتاب الذي يستند في دراسته إلى أرشيف الكنيسة والروايات الشفوية، أن بشارة حجار عيّن رغم صغر سنه أسقفاً على أبرشية عكا عام 1899 بناء على طلب أهلها، وما لبث أن عُيِّن مطراناً لها.

دعم الفلاحين
ومنذ قدومه إلى عكا نجح الأسقف اللبناني في بناء شبكة علاقات طيبة مع كافة الطوائف والأطر الاجتماعية والسياسية الفلسطينية.

ويؤكد الكتاب ما أشارت إليه مراجع أخرى حول نهج المطران حجار بالتقرب من الفلاحين الفلسطينيين احتراماً لارتباطهم بالأرض وفلاحتها وحمايتها من السمسرة والبيع.

وتجلى ذلك في مساعدته لهم بالسعي لتخفيف الضرائب عن كاهلهم وتوفير مساحات من الأراضي الكنسية لمن ليس بحوزتهم أرض. وعلى خلفية نشاطه هذا وسعيه لحماية حقوق الناس، حُكم عليه بالإعدام فلجأ إلى مصر عام 1914 وظل منفياً حتى نهاية الحرب العالمية الأولى.

الحجار مع رجال دين في حيفا عام 1935 (الجزيرة)

مطران العرب
والمطران حجار الذي نقل مقر كرسي أبرشيته من عكا إلى حيفا عام 1926 وحافظ على اسمها وهو "أبرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل"، قرن نشاطه الديني بالعمل الاجتماعي لتعزيز اللحمة بين المسيحيين والمسلمين في وجه المخاطر الصهيونية المحدقة بالبلاد.

ويشير الكتاب إلى أن نضاله من أجل قضية الفلسطينيين الوطنية جعلهم يطلقون عليه لقب "مطران العرب" تقديراً لمساهمته الجليلة. وظلت التسمية هذه متداولة بعد مصرعه دهساً عام 1940.

ورداً على سؤال الجزيرة نت، يشير المؤرخ جوني منصور إلى أن المطران حجّار عرّف نفسه بأنه عربي وفلسطيني فرح لفرح شعبه وحزن لحزنه طيلة أربعة عقود قضاها في فلسطين.

ضد الصهيونية
ويدلل منصور على التزام المطران حجار بقضية فلسطين بالإشارة إلى شهادته أمام اللجنة الملكية البريطانية عام 1937، وفيها أشاد بالتسامح الإسلامي التاريخي مع النصارى بعكس اليهود.

واستهجن حجار في شهادته مطلب الصهيونية بوطن قومي في فلسطين، مشدداً على أن اليهود أتباع ديانة من عدة شعوب وليسوا قومية مستقلة، وأن "فلسطين للفلسطينيين"، وأن مزاعم الصهيونية باطلة.

جنازة المطران بشارة غريغوريوس حجّار
عام 1940 (الجزيرة)

بناء المؤسسات
كما تجلت غيرته على فلسطين في مذكرة بعثها إلى الجالية العربية في الولايات المتحدة عام 1938 يحثهم فيها على مناصرة الفلسطينيين وفلسطين التي تتعرض لما سماه "التخريب والتدمير".

ويتوقف الكتاب عند دور حجّار في الحركة الوطنية الفلسطينية عبر مشاركته الفاعلة في المؤتمرات واللقاءات والنشاطات السياسية المدافعة عن فلسطين وعن حق الشعب الفلسطيني في وطنه، دون أن يكون منتمياً إلى حزب.

ويلفت منصور إلى أن المطران الراحل ساهم كثيراً في بناء كنائس وقاعات ومدارس ومؤسسات وجمعيات قدمت الخدمات لكافة الفلسطينيين.

مدارس الحجّار
ومن أبرز المدارس التي بناها وكانت نبراساً للعلم والتربية وعرفت بمدارس الحجار، المدرسة الأسقفية الوطنية في قرية البصّة المهجرة قضاء عكا، وفيها درس الطلاب من فلسطين والأردن حتى نهاية المرحلة الثانوية.

الكتاب الذي يبرز الهوية الوطنية والقومية العربية للمطران الراحل، يوضح أن الفلسطينيين خلدوا ذكراه بإطلاق اسمه على عدد من المؤسسات وشوارع المدن والقرى العربية في الداخل.

لغة الضاد
ويؤكد الكاتب إلياس جبور على تميز المطران الراحل والذي تجلى في جمعه بين الدين والدنيا عبر التشديد على النصرانية والعروبة والتدين الصادق.

ويشير جبور إلى الدور الهام لحجار في نشر الثقافة وحماية اللغة العربية، ويقول إنه "أجاد لغة الضاد وأحبها وتغنى بها، وكان كثيرون ممن سمعوه يبلغونه: أنت أخطب من سمعت".

كما ينبه جبور إلى أن قضية فلسطين بالنسبة لحجار هي قضية مبدأ آمن به وبعدالته، معتبراً أن استماتته كرجل دين ومثقف لبناني الأصل في الدفاع عنها هي دفاع عن الحق والعدل، داعياً إلى صيانة موروثه.

المصدر : الجزيرة